بعض الماكرين يظنون أنهم أذكياء، فيقعون في شر أعمالهم وتدبيرهم، فهذا صديق يزور صديقاً قديماً، مهنئاً إياه بالمنصب الكبير الذي تولاه، وتربط الاثنين علاقة صداقة قديمة، وتوالت الزيارات بين الصديقين في مكتب المسؤول الكبير، وقد كان يدخل الصديق إلى المسؤول الكبير، دون موعد مسبق لقربه منه ومكانته وصداقته، وحاشية المسؤول بالطبع، لا يرفضون للصديق طلباً، وذات يوم رن هاتف مدير مكتب المسؤول الكبير، وإذ بالصديق على الخط يسأل عن معاملة له، فانطلق مدير المكتب سائلاً عن المعاملة، فلم يجدها، وقف حائراً خائفاً كيف يخبر المسؤول بأن معاملة صديقه قد ضاعت، ولكن ما من حل آخر! دخل معتذراً:سيدي: أعتذر عن إضاعة معاملة «استثناء» صديقك، أنا بنفسي أخذت المعاملة بعد خروجه من عندك أمس، ولكني قلبت الدائرة ولم أجدها! عن أي معاملة تتحدث ؟! - معاملة صديقك «فلان» وقد وقعها من حضرتك أمس وأعطاني إياها! - وقعتها أنا! أي توقيع! كل يوم أطلب منه وأرجوه إن كان له طلب فيرفض قائلاً أنا أزورك وأتواصل معك ليست لي مصالح شخصية.. إنه الصديق الوحيد الذي لم يطلب مني أي طلب منذ توليت منصبي هذا! بالتأكيد هناك سوء فهم! تبين أن هذا الصديق كان يزوّر توقيع المسؤول ويضع الطلب الذي يريده في جيبه، ويدخل لصديقه وعند خروجه من مكتبه يعطي الطلب موقعاً، لإدارة المكتب، والذين لم ولن يداخلهم الشك بالتأكيد في أي شيء فهو الصديق المقرب! ولكن في النهاية وقع في شر عمله، فالتوقيعات كان يزورِّها بنفسه وبحرفية عالية، ولكن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. الماكرون محتالون ينسجون المؤامرات والمكائد في الخفاء، ويظنون أنهم الأذكى دائماً، ويستغبون الآخرين في كل المواقف، وحتى حين يكون هؤلاء في موقف ضعيف من أمرهم، يحاولون الخداع والمكر، فقد اعتادوا ذلك فهو طبع جبلوا عليه، ولكن من حكمته تعالى أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.. وقيل «أَمَكْراً وأنتَ بالحديد؟» مثلاً، قالـه عبد الملك بن مروان- لعمرو بن سعيد - لما قبض عليه وكبَّله. فقال: يا أمير المؤمنين، إن رأيتَ أن لا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم فافعل. وإنما أراد عمرو بهذه المقالة أن يخالفه عبد الملك ويخرجه فيمنعه أصحابه منه. فقال عبد الملك: أبا أمية، أمكراً وأنت في الحديد؟! يضرب لمن أراد أن يمكر وهو مقهور. المَكْرُ احتيال في خُفية، قال الله تعالى: «ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون». قال أهل العلم بالتأْويل: المكر من الله تعالى جزاء سُمي باسم مكر الـمُجازَى المَكْرُ الخَدِيعَة والاحتيال، مَكَرَ يَمْكُرُ مَكْراً ومَكَرَ به. وفي حديث الدعاء: اللهم امْكُرْ لي ولا تَمْكُرْ بي. أبو العلاء المعري: إذا سَـعِدَ البـازي، البعيــدُ مُغـارُهُ تأدّى إليه رِزْقُـــهُ، وهــو في الوَكــرِ ويحــوي الفتى بالجَدّ مــالَ عدُوّهِ على رُغْمِه، من غيرِ حِرصٍ ولا مكـر ولو نَحِسَــتْ طـيٌّ لأُلحــِقَ حــاتمٌ بحيٍّ، ســواها، مثــلِ تَغلِبَ أو بَكر وما أمَدٌ، في الدّهـــر، يُبلَــغُ، مــرّةً بأبْعَـــــدَ ممّا نالَهُ المــرءُ بالفِكــر كلوا طيّباً، فالطّيبُ، فيما طعِمتمُ يُبينُ على أفواهِكم خالـصَ الشّـكر وقد لاحَ شيْبٌ في الذَّرا فصحـوتمُ وصحّ لكم أنّ الشّبابَ من الســّكر فلا تَنسَوُوا اللَّهَ، الذي لو هُديتـمُ إلى رُشدِكمْ، ما زالَ منكـم على ذكر ولا تُنْكِــروا حــقّ الكبيــرِ، فإنّــه لأوجَبُ ممّا تَعرِفــونَ من النُّكــــر