سرت بجوار البحر، هذا الكائن الغامض الأسطوري الأزلي، ترى هل لا يزال يذكرني كما أذكره، هل لا يزال يحبني كما أحبه، هل أصابه ما أصاب البشر من غرور وحقد وحسد، أم أن تلك أشياء تصيب الإنسان فقط، تأملته فوجدت أنه لا يكترث وربما لا يذكر أحداً من كثرة عشاقه على مر العصور والدهور، الطقس بارد، كأننا في مكان غير المكان، وقد انخفضت درجات الحرارة في هذه الليلة الظلماء، التي غاب عنها رفيقي القمر، تكفكفت في ملابسي اتقاء لبرد رياح الغربي التي تحمل زمهريراً ربما يكون من بقايا صقيع أوروبا الذي يعطل كل أشكال الحياة هناك، حمدت الله على النعمة، فحتى لو اشتد البرد لدينا يكون طقسنا جميلاً مفعماً بكل الأشياء الجميلة، غير أن رياح الغربي جعلت أمواج البحر تتلاطم، كما الأفكار في رأسي، وترتطم على صخور كاسر الأمواج لتتلاشى قبل أن تعيد تكوين نفسها في حركة سرمدية كأنها تصر على اختراق الصخور وتكسيرها لتزيد مساحة البحر واتساعه. الظلام يكتنف المكان ومن بعيد تبدو هناك أشباح سوداء ربما لأشخاص من عشاق البحر، أحد تلك الظلال كأنه يعود لطفلة ابتعدت عن والديها اللذين افترشا الأرض ربما ليغرقا في تأمل البحر وحكاياته وأساطيره، الطفلة تركض غير مكترثة بالظلام أو بالبرد، ثمة أضواء خافتة في الجهة المقابلة من هذه القناة، وثمة قطة بيضاء مشردة تتبعني ربما بحثاً عن ملجأ من البرد أو عن بقايا طعام، لكنها يأست من كرمي فنزلت تبحث بين الصخور عن سرطعان بحر ناسك ابتعد عن مخبئه، ربما ليتعبد باتجاه القبلة.. جلست فوق صخرة مقابل الماء أتأمل البحر وأناجيه رغم البرد، قلت أيها البحر يا رفيق الأرض ويا ابن السماء، هل نسيت تلك الطفلة التي كانت تمضي نهارها بانتظار والدها على شطآنك لا تمل حتى لو تأخر والدها الذي ذهب يبحث عن الرزق واللآلئ في أحشائك فتبني من رمالك قصورا وأحلاما وأشكالا للحياة، لكنه لم يكترث فشكوت له من الدنيا ومن الناس ومن الحياة ومصاعبها ومتاعبها.. لكنني ربما أطلت عليه حتى سأم مني فكأنه أمر الضباب أن يهبط ليكتنف المكان لتختفي كل التفاصيل البعيدة لاكتشف أن الضباب جميل وأن الدنيا جميلة والحياة على مصاعبها تبقى جميلة.. مشيت في الضباب أتلمس المكان وتلك الأشباح قد اختفت أو غادرت ولم يبق غيري وتلك القطة المتشردة.. amal.almehairi@admedia.ae