وصلتني رسالة إلكترونية حول امرأة اكتشفت بطريق الصدفة إصابتها بخلل في نمو خلايا جسدها أثناء خضوعها لفحص دوري، الطبيب أخبرها أن ما يبدو في فحوصها سببه السهر وعدم النوم ليلاً، وحين سألها - كما تقول الحكاية المتناقلة - أكدت له أنها بالفعل تسهر حتى الفجر، وأنها تنام طيلة النهار، تعويضاً للنوم ليلاً، وكانت صدمتها حين علمت أن ذلك لا يعوض ما تفقده بسبب السهر، وفي حديث مطول مع صديقة، قالت لي تعليقاً على هذا الموضوع، إنها تتفهم ظروف الكبار الذين ربما يمرون بأحوال تحول بينهم ونوم الليل، مثل بعض الوظائف التي تستدعي السهر ليلاً، لكن ما يشكل ظاهرة خطيرة هو سهر الصغار والمراهقين وطلاب المدارس الذين يخسرون الكثير من صحتهم، حيث يذهب كثيرون منهم إلى مدارسهم بعيون مغمضة لطول السهر!
تقول إحدى المعلمات، إن بعض الطلبة يحضرون إلى الفصل وكأنهم خارج نطاق التغطية، أدمغتهم معطلة وجفونهم مثقلة بسبب السهر، بينما تبدو الهالات السوداء واضحة حول عيونهم، وتتساءل كيف يسمح الآباء والأمهات بذلك لبناتهم أو أبنائهم؟ قلت لها ومن قال إنهم يسمحون أو لا يسمحون ؟ إن معظم الآباء والأمهات لا يدرون عن ذلك تماماً، فحالة الخصوصية المبالغ فيها التي يتمتع بها المراهقون في بيوتنا، تجعلهم خارج نطاق السيطرة أو التحكم أو على الأقل التدخل، بمعنى أن لا أحد يتدخل في ساعة نومهم أو سلوكياتهم الخاصة داخل محيط غرفهم التي لا يغادرونها معظم الوقت!
ولكي لا يحتج أهل التربية ممن يطالبون باتباع منهج مغاير في تربية أطفال اليوم عن ذلك المنهج الذي تربى عليه آباؤهم، على اعتبار أنهم خلقوا لزمان مغاير وأننا نعدهم لمستقبل وحياة مختلفة، نقول إن هذه الخصوصية الزائدة التي صار هؤلاء الصغار يتمتعون بها، قد جعلتهم يسيّرون حياتهم بطريقتهم الخاطئة، فهؤلاء بلا تجربة وبلا معارف، وغالباً ما تسيّرهم أهواؤهم وأصدقاؤهم وعقولهم الصغيرة التي لا تقدر النتائج، ولا تميز كثيراً بين الصالح والطالح!
لقد تبدل كل شيء، ما عاد التلفزيون هو المتهم الأول والأخير في سرقة الوقت ونظر عيون الصغار وساعات استذكارهم، أصبح التلفزيون جهازاً بدائياً لا يلتفت إليه مراهقو هذا الزمان، فتلفزيونهم وقاعة السينما الخاصة بهم وجهاز الفيديو ومحطة الإذاعة ومكتبة الأفلام والكاميرا المتطورة وكل وسائل التواصل الفائقة السرعة موجودة، وفي متناول اليد وتحت الوسادة، كل هذه الإمكانيات الخارقة التي كانت لسنوات قليلة سابقة تحتاج غرفة كاملة لاستيعابها، أصبحت موجودة بين يدي أي طفل أو مراهق عبر جهاز صغير يغني عن كل شيء!
وعليه، فالسهر حتى ساعات الفجر الأولى له ما يسانده ويدعمه ويجعله ذا قيمة ورونق لدى هؤلاء الصغار الذين فقدوا التواصل مع آبائهم أو أنهوا حالة الرقابة التي كنا نخضع لها صغاراً عندما كان جهاز التلفزيون واحداً في غرفة المعيشة، اليوم تغيرت الحال بنسبة 180 درجة، فالسهر مع الأصدقاء على الهاتف أو عبر “الشات “ لا ينتهي حتى أثناء الدرس أو تناول الطعام، والحملقة في أجهزة “آيباد” و”آيفون” و”بلاك بيري” صارت حالة اعتيادية، وعدم القدرة على الفكاك من “تويتر” و”فيسبوك” وغيرهما صار واقعاً، ومعظم الأسر أمام إشكالية تربوية كبيرة، حيث لا يمكنهم منع أبنائهم عن كل ذلك، كما لا يعرفون كيفية ضبط الأمور وإعادة البوصلة دون صدامات محتملة!


ayya-222@hotmail.com