علمتني الشجرة، كيف أضع جذوري في الأرض، وأنغمس في التربة، وأنتمي إلى الماء حتى وإن جافاني المطر، وتوقف عن الهطول. علمتني الشجرة، كيف يكون الحب من دون شروط، ومن دون استدعاء للشكوى، وعلمتني الشجرة كيف أرفع أغصان الفرح حتى في أقصى حالات التعب، لأنه ما من شيء يكسر الإنسان أكثر من الشكوى، وأكثر من الانسحاق تحت عجلات القنوط. علمتني الشجرة، كيف أحب الأرض، وكيف أنتمي إلى الماء المتسرب إلى عروقي، لأنه مني، وأنا من ذاك الحلم السرمدي المذهل. علمتني الشجرة بأن الحياة من دون انتماء إلى الأرض، كمن يذهب إلى السراب، أو من يغرس نبتة في جوف البحر. علمتني الشجرة، أن العلاقة بالآخر، هي علاقة بالجذور، وأن التصنيف مبعث للغثيان، وانتهاء إلى اللاشيء. الأغصان التي تتشابك، وتتعانق لا تسأل إن كان أحد مكسوراً، أو منثنياً، أو يابساً إنها تتداخل هكذا، لأنها بنيت على الانسجام، ولو شذ أحد الأغصان عن الجبلة فسوف تموت الشجرة، وتنتهي إلى الزوال. علمتني الشجرة، أن الحب هو الديدن، وهو الرسن الذي ترتفع لأجله الأعناق، وعندما يخرج الإنسان عن طوق الانغماس يصبح شوكة ناتئة، شاذة، ومؤذية، لا قيمة لها في الحياة. علمتني الشجرة، كيف تحتضن الأغصان الطير، وكيف تضم أعشاشه وتحميها من الضواري. علمتني الشجرة، أن أوراقها مثل قلوب الناس، عندما تكون خضراء، ندية يهواها الطير، ويغني من أجلها، ويرفع النشيد عالياً، متباهيا بجمال الوجود، وعظمة الخلق، ونزاهة الكون من أي شعثاء، أو غوغاء، أو بلواء، نكباء. علمتني الشجرة، أن متانة الجذر، مثل قوة الإرادة، العاشقون وحدهم الذين يحبكون العلاقة مع الأرض، مثلما يفعل الشاعر الفحل عندما ينسج خيوط القصيدة، بأمانة وصدق، مثلما يفعل الصياد عندما يرسل خيط المحبة إلى أعماق البحر، مثلما يفعل البيدار عندما يطوق جذع النخلة بحبل الهوى، ويعانق الهالة بشغف، ولهفة الأشواق القديمة. علمتني الشجرة، أن الوطن مثل الكتاب، إذا قرأته بتأن وإمعان، تقصيت حروفه، وأيقنت أنه لا معنى للحياة من دون قراءة التفاصيل، ولا قيمة للإنسان من دون أرض يحبها ويعشق ترابها، ويضعها ما بين الرمش، والرمش. علمتني الشجرة أن الحياة من دون علاقة حب بالآخر، مثل تربة قاحلة لا فيها شجر ولا طير. علمتني الشجرة، أن الحب ليس شعاراً نطلقه مثل الفقاعات، بل هو كلمة مزملة بقيمة وحب الأرض أول عناصر الحياة التي ترويها المشاعر بأعذب الألحان.