صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في حضرة البراءة والمطر

''يانا المطر برعوده·· كسّر حوي سَعّوده، يانا المطر بيد الله·· كسّر حوي عبدالله'' كما هي أغنية أطفال الزمن الجميل البريء، باغتنا المطر، وفاجأ المدينة التي تنتظره من عام إلى عام، جاء محملاً بالفرح، كهدايا غير منتقاة، والتي تأتي هكذا، بدون وعد ولا مواعيد، هكذا هي التباشير التي تطرق الأبواب بلا استئذان، كعادة ضيف نحبه، وصديق يخبئ لنا الفرحة، والضحكة التي تحتبس في الصدر، جاءنا المطر ليغسل عطش المدينة، ويغسل النفس التوّاقة للطُهر والنقاء، لما علق بها من وجع الحياة، وتداعي أمورها التي تثقل الروح، وتجعل شتى الأشياء معلقة، وأحلى التفاصيل مؤجلة، لرحلة يكون فيها الماء سيد الحضور، وصانع الحبور· مطر·· مطر·· مطر، وتدركون ما يصنع المطر، تحس أن الحياة ريّانة، كغصن عود طال شوقه وأنتظر، كنخلة غازلتها السحب دون نفة مطر، كعاشقين حمّلا الطيور تباريح الوجد، دون أن تحلّ على فنن شجر، كانت تأخذها الريح، والمسافات، وغبش ندى الفجر، متناسية أن تحت أجنحتها حروفاً من حب وذهب وعتب، بالأمس كانت أبوظبي على موعد مع هطّال المزن، باعث الفرح، رسول البراءة، أنشودة المطر· الماء الرباني، ساقي الأرض، وُمغني الحياة، وحده القادر أن يجرجر سنوات العمر، نحو البرك التي كان يشكلها في المكان العزيز، وفي الذاكرة المتوثبة دوماً، ''الخريوات'' التي تسير بمشاغباتها حيث تشتهي من الأمكنة، وحيث تخط حرفها المائي على صفحة اليابسة، الشعاب التي تسلك طريقها، تسبق طبيل الوديان، وهديرها المندفع من جرف الجبال وصخرها الصوّان، ماء وانهمر، كان يفرح الرمال، ينعش الحِيَا، يوقظ غنائية الرعي من خلدها السرمدي، تذهب الحياة نحو بريّتها الأولى، وطفولة الأشياء، يتنفس الإنسان المكظوم، روائح الفضاء، وعطور النماء، وظليل الماء، يلاحق عصافير الروح المختبئة بين الأرض والسماء، هكذا يفعل المطر حين يفاجئ الجميع، وحين يرسل القطر· تتذكر نافذة حديدية، وظلفة خشب متشقق خلفها، ونظرة مواربة لشقاوة العمر الصغير، تعبق بمسك أهل الدار، تستذكر نوّارة دار الزين، بشيلتها الوسمة التي تكبرها، بخط الكُحل الذي يشق العين النعساء، والرضاب الذي يسكر الشفة الكسلى، وورد الخدين المزهّر بمسحة شمس خجلى، تعّن عليك التماعة الخضّرة في جدائل النخيل، رائحة الارتواء التي تعطّر السكيك، لون الثرى النائم، وتقطع صوت المرازيب، تنطط الحافية في غمرة نضجها، اخضلال شعرها، تضاريس الثوب المخوّر المبتل حين يناغي جسدها، سكون الأشياء حفاوة بالمطر، وأحلام البشر· تتذكر الرجال وهم يصلحون أسطح منازل الطين، وهم يفزعون للجار، وللعجوز، وهم يحدّون لشعاب الوديان، بالمعاريض والدعون، وأخاديد الحفر، يسلكون بها طرقاً بعيدة عن الدور، وبساتين النخيل، وحظائر البَهم، يجعلونها ترعى أماكن وسيوحاً، كانت في عز شوق لقطرة مطر، تتذكر شجرة الأشخر النابتة في ركنها القصيّ، وهي تحضن ما يسوقه الماء في اندفاعه، من خشاش الأرض، وأوراق الشجر، تسعد والأطفال بثمرها الصغير الأبيض الحليب، وفرح تفقيعه، وما تضمه تحتها من هدايا تفرح الصبي الذي تسبقه عيونه، يقرأ أشياء تحتها جرفها السيل، وأحضرها المطر· يا لمساء المدينة المبتل، ولسكون ليلها الماطر، ولغنائية الماء التي طرقت قلوب الصغار الذين كبروا على عجل، وأيقظتهم من هرولة العمر، كان المطر بالأمس قادراً أن يحّلق بكل الأشياء الساكنة، والعاطلة نحو فضاء من السعة والرحابة، وأن يحضر أحلام الأطفال في ذلك الزمن الجميل، البريء من مكانهم البعيد للمدينة الجديدة والتي تنتظر من عام إلى عام غنائية السيل والمطر·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء