عدت بحمد الله من رحلة كان لا بد منها بعد بطولة كأس الخليج، لا لتعب أصابنا، ولكن بحثاً عن جديد، كان في برشلونة، حيث تتجسد الكرة التي لا نعرفها، ولا يعرفها الوطن العربي بأسره، مهما كانت جماهيرية الأندية وحجم مشجعيها، فهناك الأمر مختلف، وربما من حسن حظي أنني زرت تلك المدينة الاستثنائية في توقيت استثنائي، تزامن مع المواجهة التي بدت للكثيرين مستحيلة بين البارسا وميلان التي لم يتوقع أشد المتفائلين من أنصار برشلونة أن تنتهي على ما انتهت إليه، ولا أن يثأر النادي الكتالوني من ثنائية الذهاب برباعية مذلة، استيقظ بها برشلونة من سباته، وعاد مارداً، وإن كانوا في كتالونيا يرون أنه لم يعد، لأنه لم يختف أصلاً ولم يغب. هناك.. ستعرف معنى أن تنتظر مدينة بأكملها مباراة لفريقها، الناس من الصغير إلى الكبير، والبيوت والشوارع والمحال التجارية، وربما الأشجار.. كل شيء في انتظار المباراة، والعجيب والمدهش أنه انتظار الواثق من الفوز والراغب في الاحتفال.. كانوا واثقين بشدة من فوز البارسا وتأهله، ولذا لم يتوقفوا عن هتاف نشيدهم، سواء قبل أو أثناء المباراة، وحينما انتهت المباراة، فقط تحدثوا، هل كانت توقعاتهم في محلها، والأهداف هل زادت أم قلت. قبل نصف ساعة من المباراة، لا أحد في الاستاد، وقبل عشر دقائق، يمتلئ عن بكرة أبيه بأكثر من مائة ألف متفرج، يدخلون في لحظات ويخرجون في لحظات، فلا تدري كيف جاؤوا وكيف ذهبوا، ولا تدري سبب ما يحدث عندنا، حين يحضر عشرة آلاف، فتصبح الدنيا «عفسة» وتقف الشوارع. وأنا أشاهد المباراة في الملعب بشوق الواثق من تأهل ميلان الذي أشجعه مع ريال مدريد، كان بجانبي رجل عجوز، يمسك صدره مع فرصتي ميلان ومع كل هدف للبارسا، حتى أشفقت عليه، بعدما شعرت أنه سيموت. في كتالونيا يتنفسون الكرة ويشربونها ويأكلونها، وإن شئت الدقة، فالكرة لديهم هي «برشلونة»، والعالم هو برشلونة، وهو أعظم فريق في الوجود، وأي شيء خلاف ذلك هو الاستثناء الذي لا يقاس عليه، ولا يعتد به. منذ فترة، وحين كنت أتابع عبر الصحف والتلفزيونات ما يتردد عن رغبة إقليم كتالونيا في الانفصال عن إسبانيا، لم أكن أعلم لماذا، ولكن في المباراة تجسد هذا المطلب وتجسدت مسوغاته.. إنهم مختلفون.. هم يشعرون بذلك، ويصدرون إليك ذلك، وربما تتعاطف معهم لأجل ذلك.. حين تجد مدينة بأكملها تسير في اتجاه واحد صوب الملعب، وحين تجد مدينة، تصحو وتنام على حلم بات أعز ما تملك، ومصدر سعادتها التي لا تنتهي.. في كل حالاته. انتهت المباراة برباعية رائعة في ليلة لا تتكرر، وعلى الرغم من أنني من أنصار ريال مدريد وكنت أشجع ميلان، إلا أنني لم أحزن، فقد استمتعت بما شاهدت، والأهم أنني استمتعت بتلك الحالة الفريدة، لم أحزن لأنني كنت هناك.. كنت في مباراة رفيعة ورائعة.. لم أحزن، وما أروع ألا تحزن، حتى لو كان فريقك هو الخاسر لأنك استمتعت. الحديث عن برشلونة، لا تسعه الكلمات، والرحلة كانت حافلة بالمواقف التي لا تتسع زاوية واحدة لسردها، لذا اسمحوا لي أن أشارككم بعضاً منها في زاوية أخرى، إن كان في العمر بقية. كلمة أخيرة: برشلونة عاصمة الكرة .. مدينة تتأكد فيها أن ما تشاهده في الكثير من الدوريات «تقليد رديء». mohamed.albade@admedia.ae