تغيرت طبيعة الحياة وظروفها، فصار طبيعياً مثلاً أن تعيش في شقة ولا تعرف من هو جارك الذي يلاصقك في الجدار، الجار الجنب، لسنين طويلة، وربما لا يلقي وتلقي عليه السلام، أو أن تدعوه، أو يدعوك لمناسبة أو حتى لشرب فنجان قهوة، ولو دعوته لقال في نفسه مشككاً: " دعاني لمصلحة يريدها" لا غير! الضيافة عند العرب أمر عظيم، وإكرام الضيف صفة ملازمة لأهل البادية، توارثوها عن الآباء والأجداد، فللضيف مكانة عظيمة في نفس البدو لا يتوانون عن تقديم له حقه من الضيافة، ولا شك أن كرم الضيافة طبع أصيل تميز به العرب عن غيرهم من بقية الأمم، فالضيف عندهم هو الشخص إذا وفد إلى موضع غير موضعه أو الجماعة إذا حلت عند جماعة أخرى ويسمون "فريق أو قصراء"، ويقدم للضيف حق الضيافة حتى لو كان عدواً ما دام دخل بيت مضيفه لأن من دخل البيت فقد أمن على نفسه، خاصة إذا تناول طعاماً أو شراباً فيصبح في مأمن ولو كان في وكر عدوه. ومن مسميات الضيف عند البادية "المسايير" ومفردها "مسيّر" بتشديد الياء، والمعزّب هو المضيف صاحب البيت، وجمع معزّب معازيب وهم أصحاب البيت وأهله، فالضيف عند نزوله في بيت مضيفه "المعزب" يكون ضيفاً على أفراد العائلة كافة، فالجميع يهتمون بأمره، كل حسب اختصاصه وواجبه، فالرجل صاحب البيت هو المسؤول الأول عن التنسيق في طريقة الكرم. وحقوق الضيف عند نزوله في بيت مضيفه كثيرة يجب الوفاء بها. فإذا قدم الضيف على صاحب البيت استقبل بالحفاوة والترحيب، وفي ذلك قالت البدو في الضيف "إذا أقبل أمير وإذا جلس أسير وإذا قام شاعر". ومعنى ذلك أنه يجب على المضيف أن يستقبل ضيفه بالحفاوة اللازمة والترحيب الحار على قدومه وإظهار الوجه البشوش والفرح لمقدمه وهو يتساوى في ذلك بمنزلة الأمراء. وإذا جلس أسيرا، أي أسير لمعازيبه أصحاب البيت لا يستطيع أن يعمل أي شيء إلا بإذنهم فلا يخرج إلا عند سماحهم له ولا يستطيع أن يمنعهم في تأديتهم الواجب له من كرم الضيافة، وإذا قام شاعر عند ذهابه سيذكر أصحاب البيت بما قدموا له من إكرام وتقدير أو العكس. أبو فراس الحمداني: غَيــــرِي يُغَيّرُهُ الفَعـــــَالُ الجَــــــافي ويحـــــولُ عنْ شيم الكريــــــمِ الوافــي إنَّ الغنيَّ هـــــــــــو الغنيُّ بنفســـــه وَلَـــــــو أنّـــــهُ عارِي المَناكبِ، حَــافِ ومكارمــــــي عــــــددُ النجومِ ومنزلي مــــــــأوَى الكِرام، وَمَنزلُ الأضْيــــــَافِ لا أقتني لصروفِ دهــــــــــــري عدة حتى كـــــــــــأنَّ صروفهُ أحــــــــــلافي شِيَمٌ عُرِفــــتُ بهنّ، مُذْ أنَــــــا يَافِعٌ وَلَقَدْ عَرَفـــــــــــتُ بِمِثْلِهَا أسْـــــــلافي إسماعيل ديب | Esmaiel.Hasan@admedia.ae