هناك الكثير من المتناقضات التي تدور حولنا، وتسير من الضد إلى الضد، لدرجة تجعل الإنسان يقف حائرا أمامها، مستغربا من حجم التضارب في المصالح بين جهات تسعى إلى علاج عيوب يعاني منها المجتمع وجهات أخرى كل همها الربح ولو كان ذلك على حساب الأسر وإثقالها بجبال من الديون. وتابعوا هذه المفارقة، لجنة حماية المستهلك بدأت مؤخرا تفعيل مبادرة تشجيع الادخار والتي تهدف إلى حث الأسر المواطنة والمقيمة على التوفير والبعد عن الإسراف والتبذير، خصوصا وأن الدراسات التي اعتمدت عليها اللجنة تدق ناقوس الخطر، وتكشف عن حالة من الإسراف والاستنزاف الشديد التي تعاني منها معظم الأسر. ولا نحتاج إلى ذكر تفاصيل هذه الدراسات، لأن الشواهد من حولنا منتشرة في كل مكان، وكلها تؤكد على أن حالة الإسراف هي السائدة وسط المجتمع ومعظم المواطنين والمقيمين يرفعون شعار اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، لذلك فإن هذه الحملة في محلها، ومن مصلحة الجميع التفاعل معها، ومحاولة الاستفادة منها، بتغيير أنماطه الاستهلاكية أو على أقل تقدير تعديها وجعلها اكثر اتزانا، لكن كما يقال النوايا الطيبة لا تكفي لوحدها، لان التحول إلى نمط التوفير والبعد عن التبذير ليس بالعملية السهلة في الإمارات. إذا تركنا الخطب والكلام المنمق، وعدنا إلى أرض الواقع، لا ندري مثل هذه الحملة وغيرها كيف يمكن أن يكتب لها النجاح وسط كل المغريات التي تقف في وجهها والتي تشجع على الإسراف، بل لا تكتفي بالتشجيع وحده وعوضا عنه تقوم بتقديم التسهيلات والمغريات التي تدفع المستهلكين دفعا ناحية التبذير! بالتزامن مع الحملة نفسها قرأت تقريرا إخباريا يقول إن البنوك في الإمارات بدأت إعادة تفعيل بند قروض تمويل السلع الكمالية بعد أن سبق وأوفقته مع بداية الأزمة المالية، وفي التفاصيل ذكر أن التحسن التدريجي للاقتصاد دفع بالعديد من البنوك إلى تفعيل خدمات أمرت بإيقافها منذ بدء الأزمة المالية العالمية، ويأتي في مقدمتها تمويل اليخوت والأثاث المنزلي وكذلك رحلات العطل الصيفية، حيث تسعى البنوك من ذلك إلى الاستفادة من النشاط الاقتصادي في الإمارات وتوسيع قاعدة عملائها في ظل المنافسة المشتدة بينها. بالتأكيد أن البنوك لم تسمع بحملة تشجيع الادخار، وإذا كانت قد سمعت بها فإنها غير مهتمة لأنها تخالف أهدافها، والمهم بالنسبة لها أن “تعود ريما لعادتها القديمة” باطلاق باب التسليف في كل الاتجاهات، وليس مهما بالنسبة لها أن تدخل الأسر في أزمات مالية، المهم أن تزيد الأرباح ، ولا عزاء للجنة حماية المستهلك ومبادرات تشجيع الادخار لأنها لا تقوى على الصمود أمام هذه الآلة الضخمة التي تشجع على الإسراف، ويا ليتها كانت في أمور تنفع. سيف الشامسي | salshamsi@admedia.ae