ها أنت في طنجة من جديد، في هذا الطرف القصي من عالمنا العربي، من ربوة عالية يرنو بصرك نحو الأفق البعيد لزرقة البحر حيث تختلط لجج المتوسط بالمحيط الأطلسي، وبينما يشرد النظر، يستحضر الفؤاد سيرة وذكرى رجل جمع كل هذه الأقوام واجتمعت اليوم حول اسمه، متفقة على حبه والوفاء لأرثه، جاء من الصحراء، يحمل بصيرة ثاقبة ورؤية حكيمة، ومنذ أن سطر ملامح بناء صرح الإمارات الشامخ أولى أهتماما ورعاية للتفاهم والحوار بين الأديان والحضارات والأمم. فلا يصنع الحضارة وأي أمر فيه الخير للبشر، الا من خبر الاستقرار.أنه منهاج القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه. منهاج أصبح خطاً واضح المعالم تسير عليه إمارات المحبة والعطاء. وعليه قامت جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي كانت على مدى يومي الأربعاء والخميس الماضيين موضع احتفاء خاص في موسم أصيلة الثقافي الدولي . هذه البلدة المغربية الصغيرة التي تحولت إلى رمز للتواصل الثقافي الكوني ، واحتفلت هذا العام بموسمها الثقافي الدولي الواحد والثلاثين. لقد أصبح هذا النهج الخالد أرثاً لأبناء الإمارات يتولون صونه والاعتناء به على كل المستويات، وبنت عليه الجائزة قواعد انطلاقتها القوية تجسيداً لتلك الرؤى المبكرة للراحل الكبير بإيلاء الإنسان داخل الإمارات وفي الوطن العربي وخارجه كل اهتمام ورعاية، وكان نصيب الكتاب وأهل القلم والفكر والإبداع الحظ الأوفر من ذلك الاهتمام والرعاية. وهي أمتداد لصور ومقدار العناية والرعاية التي حظي ويحظى بها إنسان الإمارات من لدن قيادته، في ترسم تلك الرؤى للقائد المؤسس. ورغم حداثة عمر الجائزة الا أنها استطاعت تصدر المشهد الثقافي على المستوى العالمي ليس باعتبارها أكبر الجوائز قيمة مادية ومعنوية فقط، وإنما لتنوع تكريم المبدعين في الفروع التسع التي تشتمل عليها، وحرصها على التواصل والتواجد في أهم الملتقيات العالمية التي تعني بالثقافة الكونية وتلاقح الحضارات، وتتيح للمهتمين والمثقفين الإطلاع على التجارب الإبداعية المختلفة لصياغة مستقبل أجمل يحمل الأحلام الجميلة والأماني الطيبة في عالم يسوده التفاهم، ويودع الاختلافات المدمرة التي يؤجج شراراتها التعصب والانغلاق والإقصاء والتهميش . لقد كان ذلك الاحتفاء بجائزة الشيخ زايد للكتاب في أصيلة إحتفاء جياشاً، زاده ألقاً مشاركة سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي، وعبر من خلاله الحاضرون والمتحدثون عن مكنون القلوب العامرة بحب وتقدير الإمارات، واستذكروا بإمتنان وعرفان سجايا قائد رحل عن هذه الدنيا الفانية منذ سنوات، وتتواصل سيرته العطرة وعطاياه السخية في مشارق الأرض ومغاربها. وكانت أصيلة أصيلة في الاحتفاء بالجائزة التي تحمل اسم الرجل الذي حمل مبكراً تلك الرؤية لتحقيق التواصل والتلاقي والتعاون ضمن الأسرة البشرية الواحدة. وأدرك منذ البواكير أن عدم الاعتناء بهذا الجانب يعني رفضاً للآخر، وتشوياً لمعاني الحضارة والإرث الإنساني الذي يقوم على التواصل والتفاهم.