على عكس المعنى المعروف لفعل «الردم» في ترقيع المساحات الفارغة، والتجسير بين المتباعدين؛ جاء فعل الردم الذي نشهده الآن كسكان في دول ساحلية مختلفاً تماماً. وهو ما أصاب في وصفه الروائي عبده خال في روايته «ترمي بشرر»، عندما كان لفعل «الردم» في روايته أثر القطيعة بين الناس ومصدر رزقهم، وسبب متعتهم، عندما رُدم البحر، فبنيت القصور والعمارات والمجتمعات الضخمة، فيما انزوى الآخرون وتقزموا فلم ينالوا من كل ما يحدث سوى ظلال الأبنية العملاقة! هذا ما تبادر في ذهني، وأنا أنظر من الطائرة إلى مدينة جدة؛ فتساءلت عن تلك البقعة التي قصدها «عبده خال»؟ يا تُرى أين ذلك القصر الذي حلم به أهل حارة «النار»، وأين هي حارتهم؟ ترى أي اليخوت «مذهلة»، تلك التي قادها عمر القرش، بينما قادته ظروفه إلى ما لا يرغب؟! كانت حالتي تلك «ردماً» من النوع الذي أعتقد -حسب وجهة نظري البسيطة- إن على الرواية القيام به؛ «الردم» الذي يعني ترقيع المساحات الفارغة بجهلنا عن الأمكنة والأزمنة، «الردم» الذي يجسر بين متباعدين، بيننا وبين مكان لم نعش فيه، فنسكنه بفعل الرواية ونعاشر شخوصه، نشهد عريها الخاص، ونطلع من خلالها على فلسفات مختلفة لفهم الحاضر والعبور إلى المستقبل. لا أطلب من الروائي عندما ينسج إبداعه أن يملأ مساحات جهلي، أو أن يبوح بما يشبع فضولي عن الآخرين، أو أن ينير لي طريقاً لم أكن حتى ألمحه؛ ولكن هذا لا يعني أيضا أن رواية تفعل هذا فينا، هي أهم من غيرها، وأكثر روعة، لأنها غمرتني.. فاستحقت أن امتلأ بها. منذ ثلاثة أيام، تشرفت بتعليق أستاذي الدكتور «حسن مدن» على الورقة التي قدمتها حول المتغيرات في المجتمع الإماراتي وتأثيرها على الأعمال الإبداعية، وذلك في الملتقى الأدبي الخامس لدول مجلس التعاون في مدينة «أبها» السعودية؛ -والذي رشحتني إليه مشكورة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع- كان تعليقه رافضاً لما ورد في ورقتي، والتي قلت فيها إن الرواية في الإمارات على الرغم من نضجها السردي، وعمق مكونها الفكري في أحيان كثيرة، إلا أنها منغمسة في الماضي، بعيدة عن الواقع بمعطياته الصارخة؛ ولم أجد تفسيراً لهذا الحنين المكرر سوى خوف الروائي الإماراتي من مواجهة الحاضر بتعقيداته، وبطبيعة الحال عجزه عن وضع تصوراته للمستقبل. وكأن عجز الإنسان -في الإعمال التي ترصد فترة ما قبل الطفرة الاقتصادية- المغلوب على أمره بطبيعة جهله وفقره، الذي يتحكم فيه النوخذة وشيخ القبيلة والموروث المتسلط، أكثر إغراء للكتابة وأكثر مساحة للإبداع من بطل اليوم -العاجز أيضاً- على الرغم من أنه صاحب وضع اقتصادي متميز ودرجة علمية عالية ويعيش واقعاً متمدناً!! إن الواقع الذي نعيشه والذي أحدثته الطفرة الاقتصادية، يقدم مادة متكاملة مغرية للمعالجة الروائية، غنية بآثارها على الناس والأمكنة.. هذا «الردم» الذي احتاجه لكي يملأني. als.almenhaly@dmedia.ae