بدا واضحا اليوم وفي كل العالم أن الإعلام تشظى إلى إعلامات، وكذلك الجماهير تحزبت وانقسمت إلى جماهير وهو أمر يكاد يكون مفهوماً ومتوقعاً في ظل الثورتين الأبرز حاليا: ثورة المعلومات وثورة تقنيات الاتصال والإعلام ويمكن أن نضيف إليهما ثورات ما يسمى بالربيع العربي فيما يخص النطاق العربي تحديداً، حيث يظهر جليا أن هذه الثورات قد قدمت لأمور وانتجت ظواهر وسلوكيات مختلفة، وعلينا أن نعي كل ذلك ونستوعبه ونحن نتعاطى مع الإعلام التقليدي تحديداً المكتوب منه والمرئي، لأن استمرار التجاهل والإعراض لا يخلق سوى المزيد من الفجوة والانقسامات.
طلاب الجامعات الحديثة، أجيال الآيباد والمواقع الاجتماعية، شباب الكتب الأجنبية، مراهقو اليوتيوب وموسيقى الجاز والراب، هؤلاء لا يجب أن ننظر لهم باعتبارهم فقاعة تمر في الأفق العربي بشكل عرضي أو صدفة وأنها سرعان ما ستنفجر مخلفة لاشيء، لأن هذا الطرح ليس في صالح أحد، فقد برزت تيارات شبابية كثيرة عبر التاريخ الإنساني لها رؤاها المتمردة على الواقع والمجدفة بعيداً عنه، كما حدث في أوروبا الستينيات وأميركا وغيرها، لقد شكلت تلك الحركات دوما محاولة خروج على السائد بحثاً عن إجابات أخرى لأسئلة محيرة أمام هؤلاء الشباب !!
اليوم العالم العربي كجزء من هذا العالم نعيش أزماته وارتباكاته على الصعيد الفردي والجماعي معاً، تحيطنا إشكالات كبرى وأزمات اقتصادية ونعيش ضمن مجتمع مفتوح على رياح العالم وجهاته كلها، ثقافات كثيرة ووسائل اتصال تفتح كل المكتبات والطروحات أمام شبابنا و... هذا كله يجعل من المتوقع أن تظهر لدينا حركات وطروحات مختلفة تعرض مالديها في الفضاء العام المتوافر في المجتمع .. فأين هو هذا الفضاء العام المفتوح للجميع بحرية وبدون تعصب أو تحيز أو وصاية وخوف: إنها مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرهما.
علينا أن لا تكون ردات فعلنا قوية أكثر مما يجب، ولا قلقة أكثر مما ينبغي ولا متجاهلة أيضاً بلا داع، تجاهل الموج لا يعني عدم وجوده، تجاهل العاصفة لا يعني أنها لن تدمر المنزل، تجاهل الشباب أمر بسيط في شكله الخارجي ولكن السؤال حول مردودات ذلك التجاهل، وهنا علينا أن نستفيد من التاريخ لا أن نكرره، وأن ننصت لا أن نصم آذاننا، المقصود هنا ليس النظام السياسي المتمثل في السلطة ولكن كل الأنظمة المتداخلة ضمن وداخل النظام الاجتماعي العام، الأسرة، الأصدقاء، العمل، الإعلام ...
هؤلاء يجب أن يخرجوا من عالمهم الافتراضي إلى الواقع كما حدث في كل المجتمعات يوم لم تكن هناك مواقع تواصل وإنترنت، ويوم كان الشباب، يؤسسون حركاتهم الطلابية عبر شوارع العواصم الكبرى، شبابنا اليوم لم يعانوا ربما ما عاناه شباب فرنسا وبريطانيا من ضياع ولم يواجهوا أسئلة وجودية كما واجهها شباب أوروبا، لكنهم يواجهون أسئلة من نوع آخر وهي لا تقل ثقلاً وخطورة أيضاً، ولذلك نقول إنهم يؤسسون لتغيير ما، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا التغيير، كما أنهم يكتبون تاريخهم وتاريخ المنطقة بشكل أو بآخر ودون مبالغة.
لا نريد أن نستمر في هذه الثنائية، ثنائية القطيعة بين الإعلام الافتراضي والواقع التقليدي في الإعلام، جمهور الشباب بكل ما يراكمه من معارف وأفكار بعيداً عنا وجمهور المحافظين أو التقليديين الذين يعتبرون أن كل الأمور على ما يرام، الأمور ليست كارثية حتماً، لكن هناك مياه تجري داخل المواقع الافتراضية وعلينا أن نلمسها لنعرف مدى حرارتها.


ayya-222@hotmail.com