كان الحضور كبيراً في الصالة رقم اثنين في "سينما فوكس" بالمارينا مول، حيث تم حديثاً تنجيد الكراسي لتكون من الجلد بدلاً من المخمل، وبذلك رفع سعر التذكرة عشرة دراهم إضافية، ليكون أربعين درهماً للكرسي في الدرجة الثانية، وثلاثين درهماً للدرجة الأولى القريبة جداً من شاشة العرض، وهي الدرجة التي لا يجلس عليها أحد إلا في الحالات التي تمتلئ فيها صالة العرض ولا يكون للمتأخرين من سبيل سوى القبول والجلوس على تلك الكراسي! في الصالة رقم اثنين عُرض مؤخرا فيلم "الفنان"، هذا الفيلم الصامت الذي حصد العديد من الجوائز وهو في طريقه إلى منصة توزيع جوائز الأوسكار، حيث حصد أهم ثلاث جوائز أوسكار وهي: أفضل ممثل وأفضل مخرج وأفضل فيلم. في تلك الصالة كان الجمهور الحاضر يتابع بشغف أحداث هذا الفيلم، حيث البصر هو الحاسة الأكثر انشغالاً بالفيلم، فيما تُؤسر الأذن بالموسيقى المصاحبة للعمل، وهي تقود الأحداث والتسلسل الدرامي المشوق بارتفاع وتيرتها وانخفاضها، بالعزف المنفرد للآلات والعزف الثنائي والثلاثي، والعزف الجماعي حين ينتقل الحدث إلى وهج آخر من سير الأحداث على الشاشة التي نقلت كل تفاصيل وتقنية الأعمال الصامتة في العشرينيات من القرن الماضي. لكن ما الذي يجعل هذا الفيلم الذي لا ينتمي على الإطلاق إلى أي شيء من التطور الذي حدث في عالم السينما من صوت وألوان وصورة ثلاثية الأبعاد والشاشات عالية النقاء، وانشغال الناس الكبير بتقنيات الترفيه الحديثة، أن يجذب كل هذا الجمهور في البلدان التي عرض فيها ـ حسب الكثير من التقارير الصحفية ـ وكذلك أن يحصد كل تلك الجوائز التي كان آخرها وأهمها جوائز الأوسكار؟ من الغريب والذي يأتي ضمن الصدفة المحضة أو الفعل المقصود، أن الفيلم يقدم الصراع بين الجديد والقديم، حيث تدور قصته حول ممثل مشهور في عالم السينما الصامتة إبان بداية العشرينيات من القرن الماضي، يتعرض وهو في أوج نجاحاته في عالم السينما إلى صدمة كبيرة حين تبدأ السينما بعرض الأفلام الناطقة، ليكون بداية انحسار الأفلام الصامتة، فبطل الفيلم الذي تخفت عنه الأضواء يصر على السينما الصامتة رافضاً السينما الناطقة، ويقوم بإنتاج فيلم صامت إلا أنه يفشل ويخسر كل أمواله ويبيع كل ممتلكاته حتى ملابسه وتنهار حياته كلها، ويحاول الانتحار بحرق منزله، إلا أن كلبه الوفي ينقذه، والمرأة التي انطلقت إلى عالم التمثيل من خلاله تعيد إليه الحياة من جديد ليعود ويغامر في عالم السينما الناطقة وينجح. إن الفيلم الذي يتحدث عن القديم والجديد والتطور وانحسار الجماهير عن القديم (السينما الصامتة)، يأتي في 2011 (سنة إنتاج الفيلم) لتشاهده أعداد كبيرة من الجماهير في مختلف أنحاء العالم التي عرض فيها ويحصد كل تلك الجوائز، ليقول للعالم إننا في هذا الضجيج نحتاج الصمت والتوصل بالبصر والشعور بروح الآخر بلا كلام. وتقول فكرة إنتاج هذا الفيلم الصامت الآسر على مدى ساعتين تقريباً وبالأبيض والأسود: ليس الحاضر والمستقبل فقط هما الجميلان، بل حتى الماضي دائماً جميل، حين يحتوي قصصاً وحكايات رائعة من حياتنا، ضمت مشاعرنا، فرحنا، رفضنا وحتى جنوننا، وأننا لا يمكن أن ننقطع عن التواصل مع كل الجمال الذي حدث وأصبح ماضياً. saadjumah@hotmail.com