في السينما التي دائما ما يكون الصراع فيها بين الخير والشر، ينحاز المشاهد إلى الخير من خلال البطل الذي يمثل الخير في الصراع، ونادرا ما يكون هناك من ينحازون إلى الشخصية الشريرة في الفيلم. وهناك آخرون لا ينحازوا لا للخير ولا للشر، مقتنعين بأنهم يستمتعون بمشاهدة عمل سينمائي بعيداً عن الإسقاطات التي يريد الفيلم إن يقولها للمشاهد، أي أن مشاهدتهم تكون من أجل المتعة البصرية فقط. في دور السينما المحلية عُرض فيلم «تشي» بجزئيه الأول والثاني والذي يسرد أهم مراحل النضال للثوري الكبير الكمندان أرنستو تشي جيفارا، المتمثلة في الثورة الكوبية منذ انطلاقها عام 1956 إلى انتصارها عام 1959، وفترة ال «341» يوماً من نضاله في بوليفيا، حيث أسر وقتل، والفيلم من إخراج «ستيفن سودربرج» وبطولة «بينيثيو ديل تورو» بتقمصه شخصية تشي جيفارا، والذي حاز عن دوره في الفيلم بجائزة أفضل ممثل في مهرجان كان عام 2008 . في هذا الفيلم يكون الانحياز منطقياً بامتياز إلى البطل، ذلك لأنه ليس بطل مغامرات تسلق الجبال أو سباق السيارات أو إطلاق المسدسات والحروب الخرافية التي تقدمها السينما بكثافة، إنه بطل من النوع النبيل، الجميل، الحالم حد الفتنة بالحرية والإنسان وحقه في الحياة الكريمة؛ هذا هو إيمان الكمندان تشي جيفارا، دائماً وأبداً، حتى في لحظة قتله لم يتراجع ولم ييأس. في هذا الفيلم قدم تشي للمشاهد بشكل مخلص، والتزام حقيقي بالرسالة السينمائية، حيث لم يشوهه كما فعلت بعض وسائل الدعاية والإعلام التي أرادت أن تجعل منه مغامراً ومجنوناً متعطشاً للحروب والفوضى. في الفيلم الذي يقتطع الجزئية المهمة والعملية في حركة النضال من أجل التحرر في مسيرة جيفارا والتي تشكل صداقته بفيدل كاسترو أهم مراحلها، يبرز جيفارا الإنسان الحقيقي الذي لم يكن يقود جنوداً يحملون أسلحة ليطلقوا رصاصهم من أجل القتل، بل كان يقود أملاً وحلماً نحو النور في عمق الأدغال اللاتينية والجبال، كان يُعلّم ويداوي ويكرس مبدأ المحبة والصداقة في عرين الخطر. كان دائماً يحمل كتاباً، وكان دائماً عندما يُسأل عن كونه اشتراكياً، يجيب بأنه من كل الأطياف؛ أي أنه مع كل جميل في الفكر الإنساني السياسي والروحي يناصب الإنسان سلامه وأمنه وحقه بالعيش الكريم. ومن أجمل ردوده على تهنئته بانتصار الثورة الكوبية في الفيلم الذي اعتنى كثيراً بإخراج المعارك كي لا تكون منفرة بل مساعدة لكشف حقيقة روح تشي وفكره، «إن الثورة تبدأ الآن» أي أن الثورة ليست هي القتال بل الثورة الحقيقية هي تحقيق الشروط الإنسانية للشعب من تعليم وصحة وعمل وخدمات مدنية سليمة، وعدل اجتماعي وحرية التفكير والاعتقاد. ولذلك كان رحيل تشي وحيداً من كوبا، تاركاً كل شيء، المجد والشهرة والصولجان والحياة الكريمة، تابعاً حلمه في التحرر وتحرير أميركا اللاتينية كلها، حتى إن سقط أسيرا في يد القوات البوليفية. وهنا يتحقق أوج الانحياز للبطل أمام مشهد يَصفع فيه الجلاد، تشي جيفارا على وجهه، لتنطلق صرخة غضب داخل قاعة العرض، إلا أنها -الصرخة- ترتد حين تكتشف بأنها في الواقع وأن تشي قد مات فعلا وأن سيرته تبقى النموذج الصادق والناصع والصافي والحقيقي في متابعة الحلم. saad.alhabshi@admedia.ae