جاءت الدنماركية مع زوجها العراقي إلى بغداد، ورجعت حاملا سفاحا من قاتل زوجها الإرهابي. تكفي هذه الكلمات «لتلخيص» حكاية واحدة، الرئيسية، من حكايات حسين السكاف التي حشدها بين غلافي رواياته – بالجمع – بعنوان «كوبنهاجن مثلث الموت». يحكي السكاف، بقدرة سردية متميزة، مخزون ذاكرته العراقية: أمكنة وبشر، ويضفرها ضمن روايته الأم، رواية عودة العراقي المهاجر، الهارب من النظام الساقط, إلى مسقط رأسه محملا بأحلام كبيرة، سوف يدفعها كلها ثمنا لرصاصات تخترق جسده من مسدس خاطفه، رفيق طفولته على مقاعد الدراسة المكتنز حقداً شخصياً قديماً. بتقنية الـ «فلاش باك» يوغل الراوي في الكشف عن ماضي شخوصه. هو ماضي العراق من خلال مدينة المحمودية المحاذية أو المكملة لبغداد. ماض يعج بكثير من البراءة وبكثير من الشرّ، ليس بما تمثله الثنائية التقليدية، وإنما بما تقتضيه أحوال بلد مثل العراق. ماضي الرجال والنساء، الفلاحين والعمال والموظفين، الطلبة والجنود ورجال النظام، الحالمين والمكسورين، الشجعان والخائفين. بهذا المعنى تندرج رواية السكاف المنجزة عام 2006 والصادرة عام 2007 ضمن الروايات الأولى التي تعرضت لمجريات العراق خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. فلقد تأخر الراوي العراقي كثيراً في نسج أعمال عن حروب بلده المتناسلة ومظالم نظامه. كان الشعراء والرسامون أسرع من الروائيين. الرواية بطبعها تحتاج إلى مزيد من الوقت وكثير من التأني. وفي العراق تأخرت الرواية الحديثة نسبياً عن مثيلتها العربية. تؤرخ رواية غالب طعمة فرمان «النخلة والجيران» (1967) لولادة هذا النوع بأقلام المهاجرين. بعدها سوف يصدر فرمان، من موسكو وهو الذي زار بلده مرة واحدة طوال ربع قرن «خمسة أصوات» و»المخاض» و»ظلال على النافذة» و»المركب». وسيتلوه فاضل عزاوي برواية مخلوقاته الجميلة. وفي الوقت الذي كان فيه المبدعون المقيمون في ربقة النظام يلجأون إلى الخيال لإخراج أعمال رواية بعيدة عن الواقع في مرحلة الثمانينات، أخذت تصدر في الخارج أعمال روائية تقارب الحدث العراقي بوقعه وليس بوقائعه، منها: «ياكوكتي» جنان جاسم، «الحرب في حي الطرب» نجم والي، «طفل الـ «CNN ابراهيم أحمد، «الأسلاف» فاضل عزاوي، «الحدود البرية» ميسلون هادي، «كم بدت السماء بعيدة» بتول الخضري، «الخائف والمخيف» زهير الجزائري، «نساء على سفر» هيفاء زنكنة. وقبل هؤلاء جميعا تسجل تجربة فؤاد التكرلي الروائية عن الوجع العراقي بثلاثيتها «الرجع البعيد» و»خاتم الرمل» و»المسرات والأوجاع». بين تلك الأعمال، وغيرها، تبدو رواية «كوبنهاجن مثلث الموت» وكأنها سردية الوقائع بامتياز، سواء منها الماضية أو الجاثمة. يعيش حسين السكاف هو وشخوصه داخل الحدث، يؤرخه قبل أن يرويه، ثم يبدي رأيه فيه ويدينه. تماما كما فعلت العراقية الباريسية إنعام كجه جي في «الحفيدة الأميركية». وبين الدنماركية والأميركية تشابهات وافتراقات. تدين حفيدة كجه جي، نفسها، ونظامي بلديها بالولادة والاكتساب، العراق والولايات المتحدة، ترى إلى الحدث بأسبابه ونتائجه، وتبحث عن الإنسان في كل ما يؤسس لوحشية ناهشة.. أما السكاف ودنماركيته، فإنه يغرق داخل تشظيات قاسية وملعونة. يكتب وثيقة إدانة شاملة، قاطعة، محكمة. وثيقة تستولد الوحوش الناهشة من أعماق الناس, فجاءت كل شخوص الرواية جانحة مصابة بالشذوذ النفسي والجنسي.. والأخطر من كل ذلك أنها شخوص المستقبل وليس الماضي، كما يقرر الراوي وليس كما يريد. عادل علي adelk58@hotmail.com