من بين أربع جمعيات ذات نفع عام، وافقت وزارة الشؤون الاجتماعية على إشهارها جمعيتا «صندوق التكافل الاجتماعي لرعاية نزلاء المنشآت العقابية وأسرهم، وجمعية محمد بن خالد آل نهيان لأجيال المستقبل».. إشهار جمعيتين بهذا التوجه وهذا الاهتمام يعني أن هناك وعياً بدأ ينمو في نسيج المجتمع، وأن هناك فهماً لمعنى التكاتف والتآلف وحماية المجتمع من آفتي الفقر والعوز. جمعيات تُعنى بالإنسان واحتياجاته ومتطلبات حياته، وتلتزم بقيم التواصل مع الذين غيبتهم الأصفاد، وعاقبتهم القوانين على سلوكيات، ولكن لا يمكن للمجتمع أن يغفل عن التزامه الأخلاقي والاجتماعي تجاه أسرهم التي فقدت القدرة على تحمل أعباء الحياة، وخسرت من كان يضمها، ويلهمها، ويحميها من عواقب الزمن، جمعيات تقف مع الطفل تؤازره وتشد على يده وتضع أمامه المستقبل مضاءً بنجوم وأقمار الأيدي الرحيمة التي لا تكف عن بث الأمل ولا يجف عطاؤها من أجل مستقبل عيون لا ينبغي أن تدمع، ومن أجل قلوب لا ينبغي أن تنكسر، ومن أجل قدرات لا ينبغي أن يهيضها طوفان زمن. هذا الوعي وهذه اليقظة وهذه الهبة الاجتماعية والأخلاقية أمان واطمئنان وامتحان، نجح من خلالها أبناء الإمارات وأكدوا أن بناء الحضارة الإنسانية يبدأ من أذهان تعي دورها الاجتماعي، وأيدٍ تعرف إلى أين تمتد، وقلوبٍ تنبض بحس الإنسان وقيمه، وأعرافه، وتقاليده السامية. المزيد من هذه الخلايا الرائعة يمهد طريقاً مزروعاً بالأمل ويفتح نافذة تنفث هواء طلقاً خالياً من كربون العوز والانكسار ويكبح جماح العزلة الاجتماعية وانغلاق طرق التواصل. فكرة الجمعيات ذات النفع العام مبنية في الأساس على خدمة المجتمع، ولكن وللأسف نجد بعض الجمعيات أصبحت كطائرات مخطوفة استولى عليها أشخاص وصارت في غضون سنوات قصيرة مجرد كرسي خشبي تحركه إرادة الأشخاص لمصالح ذاتية وآنية، لا تفيد ولا تعيد ولا تزيد غير الضغائن والمحن في قلوب أصحابها. فكرة الجمعيات ذات النفع العام، فكرة حضارية سامية، الغرض منها خدمة المجتمع والمساهمة في نهوضه الحضاري والثقافي ولكن البعض أراد من خلالها أن يؤسس لنفسه مملكة يرتع من خلالها ويقمع الآخر ويمنع الخير عن الجميع. فكرة الجمعيات ذات النفع العام مطلب إنساني وحضاري وأخلاقي، ولكن البعض أراد لها أن تكون جمعيات أشبه بالهيكل العظمي بلا روح ولا نفس، جمعيات تريد من يحيي عظامها الرميم ويعيد لها الحياة التي نهبت وسلبت وصارت أشبه بالشيء الذي لا يشبه شيئاً. فكرة الجمعيات ذات النفع العام مساحة للضوء وفسحة للرؤية وطريق يسير على الأقدام بدون عكّاز، يتوكأ عليها البعض لأغراض نفسية ومآرب أخرى لا يعلمها إلا أصحابها. فكرة الجمعيات ذات النفع العام، إن لم تتكافل مع الإنسان وتتعاضد مع اهتماماته وتتوافق مع طموحاته فهي ليست إلا مشروعاً فاشلاً وناقة عرجاء لا تصلح لأن تكون مشروعاً للسباق واللحاق بزمن الحضارة والتقدم. جمعيات النفع العام التي تتحول إلى بقالة صغيرة يديرها شخص تورم، وتضخم، واحتدم، ولم يلتئم ولم ينسجم مع نفسه تجب إعادة النظر في شكلها وأهدافها، وإعادة بنائها لتصبح جمعية ذات نفع عام، لا خاص.