بالنسبة للحطّاب، كل باب مكسور يمكن إصلاحه، إلا باب الحديد الذي يصنعُ من العناد، ويكون صاحبه متسمراً أمامه، لا يقبل بالداخلين حتى لو كانوا يحملون حمامات السلام، ولا يسمح لأحد بالخروج من ليل الوصاية إلا مخدوشاً أو صريعاً. وحين تكثر أبواب الحديد في المجتمعات المريضة، تموت الشجرة ويهجر العصفور أغصانها إلى الأسلاك الشائكة. بالنسبة للمهاجر، كل البلدان نعيم شكلي. الأرض استراحة مرّة للذين يمشون في منعرجاتها بحثا عن وطن جديد، ولكن كل الأوطان الفارهة، كل الحرية الوهميّة التي يشحذها الغريب في الأرض الغريبة، لا تساوي حفنة من تراب وطنه الحقيقي، وكل الولائم التي يفرشها الغرباء له في الطريق، لا تعادل كسرة رغيف من تنّور أمه في صبح عيد بعيد. بالنسبة للسمسار، كل اشتباك بالأيدي هو حفلة وعرس، كل خصام بين شقيقين هو دعوة للنهب من بيتهم في عزّ الظهيرة. ولذلك يتفنن السماسرة في لعبة التأجيج، ينفخون على الجمرة الخبيثة كي تتقد في القلوب الحائرة، ويضعون السكّين في اليد التي تتقدم للمصافحة، وينهبون منها المفاتيح. جالساً منحنياً يطالع في ساعة مكسورة عقاربها لكنها تدق. إنه الموهوم بفكرة أن الحياة في مكان آخر، كل يوم تمر عليه القطارات تحملُ ركّابها إلى فجر جديد، لكنه يفضّل انتظار قطار الخلاص الأخير، القطار الذي حتى لو سمعنا بوقه مزمجرا من بعيد، إلا انه لا يأتي أبداً. بالنسبة للبحّار، الريح صديقةٌ في اعتدالها، لكنها عدوٌ في العاصفة، والماء عذوبةٌ لو يستقر، لكنه حتفٌ إن يهيج غضبان من ضجر أزلي. كل ترحال عبثي من غير حسبان للريح والموجة، هو هلاكٌ محتم. كل سفينة ترفع أشرعتها ضد التيار القوي، تتكسّر صواريها وتغرق. والبحّار المحنّك، هو الذي يشدّ وقت اللين كي يهزم المسافة ويصل أسرع من المتراخين، وهو الذي يلينُ وقت هياج الوحش، لكنه يكون واثقا من وصوله، ولو بعد حين. بالنسبة للساحر، البشر أسرى الفضول، ضحايا الحنين إلى الوهم. ولذلك يبتكر لهم مرايا المستقبل ليريهم ما لا يكون. يكتب لهم أحلامهم في حرز، ويبث الدخان الأبيض في عيونهم فيرون الحياة فيلماً في مشكاة. وبعد حين، عندما يحكّ الساحرُ خاتمه الزجاجي المغموس في الجهل، تفوح منه رائحة الدجل ويتسمم المكان كله. بالنسبة للروائي، كل نهاية كمال، كل بداية نقص. يخرج البطلُ من بيته على غير هدى ويلتقي امرأة تغويه فيسميها النجاة، لكنه بعد حين يغرق في بحر عينيها متعطشا إلى ساحل يرسو عليه قليلا لينام. والرواية تصير مللا أن عاش العاشقان سعيدين، لذلك يفصلهما خيط الدراما في مشهد الفراق، عندما يركب البطل في قارب مصيره مبحرا فوق موج متلاطم، فيما الحبيبة الأولى تتلاشى في الفصول الأخيرة، ولا تظهر إلا طيفا منعكسا في عطر نساء كثيرات عابرات. يقولون قلبي تحجّر في الذهول غمّت رؤاي ولهفتي تبلّدت.. وبالنسبة لي، أصير صنما كفى مادمت أحرس نومتها قربي للأبد عادل خزام | akhozam@yahoo.com