في كل البياض الشاسع تغيب عنك الكتابة، وكأنك لم تعرفها، وكأنها لم تعرفك، تغيب عنك الأفكار، تغيب الحروف، ولا ترى سوى البياض على الورقة، شيء ما يأخذك إلى حالة صمت عميقة، صمت الحروف والتفكير. كأنك لم تولد أبداً، ولم تمر حياتك في تفاصيل جميلة تستحق القراءة والقول والكتابة والبوح، كأنك لم تبك، ولم تتألم، ولم ينفطر قلبك من الحزن والأسى، لم يبق من الشعور ما يدون، كأنك قلت كل شيء وانفرط عقد المسبحة وتناثرت الذكريات كلها، ولم تعد تلمع في ملمح البهاء. فماذا تصنع هنا، عند هذا الحد من الجفاف؟ كل شيء قيل، وكل شيء كتب، ولم يبق لديك سوى أن تعيد المشهد، تعيد تشكيل الحروف في جمل تناسب هذه اللحظة، لك أن تكتب عن الغياب علك تغتسل، أن تتماهى فيه حتى لا تعود سوى نقطة في هذه الصفحة البيضاء كأنها النهار، لك الكثير من الفعل أن تقوم به، لك أن تسكب مداد القلم في الطين وترسم قلبك وتغادر، تخرج من الشرك، من أوهام الحياة، وفتنة البصر، تغادر بعيداً علك ترى المشهد ناصعاً بلا نظارات طبية، ترى في وضوح الليل، وبهاء النهار، في سحر القمر وضوء شمس الفجر على بحر ممتد حتى اللانهاية. لتفعل وتغيب كنجمة آفلة من ليل العشاق، كغيمة ملأى بالمطر كانت تُسرح شعر الأطفال بحبات الماء، كسحر الوجود في حكمة عراف استسلم للصمت الأبدي، كأنك القطرة الأخيرة من نهر يتلاشى، كأنك الرحيق الأخير المنساب من جُرح وردةٍ، من لمس وردة، من فرحة وردة، من لحن موسيقي لم يسمعه أحد. لم يعد معنى الكلام المنساب على هذه الصفحة منذ زمن بعيد قابلاً للتحقق، لا نشيد الحب الطويل، لا التحية المنشرحة على الوجه والقادمة من عمق القلب والوله، لا السكون في القرب ومناجاة الليل، لا شيء قابل للتحقق على هذه الورقة، هذه الصفحة التي مُلئت بالجمال والشغف والمناجاة، بالسهر والموسيقى والحوار الطويل والاسئلة، حيث الكون أكثر حاجة كي نعرفه، ويعرفنا، بملمس الحب القادم من أعماق الوجدان والروح، لا شيء قابل للتحقق سوى دمعتك المتوارية، ووخز الصمت في قلبك. فهل لك أن تقلب الصفحة وتدون غيابك الجديد؟!. سوف يكشف لك الصباح وجهه، ويقدم لك الليل وردة، وسيسحرك النسيم الجديد القادم من جهات الأرض الأربع، وتغني لك الريح في ذهابك العميق داخل الأمل الذي سيتوج نهوضك المبجل من رماد الزمن والقصص غير المكتملة. saadjumah@hotmail.com