لا يوجد قاسم مشترك يجمع بين “الملك لير” و”الملك شهريار”، إلا أمر واحد. الأول خلّده عبقري اللغة الإنجليزية شكسبير، في مسرحية كتبها بين سنة 1603 م وسنة 1606 حملت العنوان نفسه وقدّمت على المسرح لأول مرة في سنة إنجازها. والثاني خلّده مؤلف مجهول النسب والحسب، في الكتاب الشهير “ألف ليلة وليلة” في القرن الرابع الميلادي (حوالي سنة 1500 للميلاد) أي قبل قرن تقريبا من ظهور الملك لير. الملكان يخضعان، الآن، لمحاكمة غير أدبية. فملك شكسبير الأسطوري تسبب بطرد مدرّسة في نيوزيلندا علّمت “الملك لير” لطلابها بصيغة حديثة، ما وصفته إدارة الكنيسة التابعة للمدرسة، بأنها “محيّرة، ومفسدة وملوثة أخلاقيا”. أما كتاب “ألف ليلة وليلة” فهو موضوع دعوى لمصادرته، قدّمها بعض المحامين المصريين، بعدما أصدرت مؤسسة رسمية طبعة جديدة منه. أصحاب الدعوى، أوردوا في مطالعتهم المطولة، نصوصا من الكتاب، قالوا إنها غير أخلاقية وتسيء للقيم الاجتماعية والدينية. لو عقد الملكان “لير” و”شهريار” اجتماعا طارئا بينهما على مستوى القمة، لوجدا نفسيهما في ورطة حقيقية. فهما لا يستطيعان الإقرار بالتهم المنسوبة إليهما، وليس في أيديهما ما يمكنهما من الدفاع عن إرثهما العريق. سوف يبدو “الملك لير” أضحوكة بين تملّق وصراعات بناته الثلاث: (جنريل) و(ريجان) و(كردليا). وسوف يعتبر كل تأويل “حداثي” لأساليبهن المبتذلة للإستئثار بالعرش “تلويثا أخلاقيا” بحسب رؤية الكنيسة النيوزيلندية. أما “شهريار” فإن مصيبته ستكون أشد وطأة. فقد تآمر مع “شهرزاد” لتمرير حكايات مشغولة بترّهات السحر والسحرة، في عالم صاخب، يتسم بالهوس والعربدة والمجون، مفتون بالرقص والطرب. وقد “وثّق” المحامون المصريون اتهاماتهم بنصوص كاملة منقولة من “ألف ليلة وليلة”. ولو اعتمد منطقهم في الشكوى وموضوعها، لوجب توجيه الإتهام لهم، وإدانتهم، على اعتبار أنهم “أصدروا” في مطالعتهم، طبعة غير منقحة ومقتصرة فقط على الأدب الذي تنقصه العفّة. فمن كان يبغي، المتعة الحسية الخالصة، فليس عليه إلا قراءة نسخة من الشكوى. وبالطبع يمكن الحصول عليها بالمجان، في مقابل السعر المرتفع للكتاب المرذول! ليست هي المرة الأولى التي يتعرض فيها كتاب عربي لما يتعرض له “ألف ليلة وليلة”. فقد دخلت قبله كتب أخرى إلى قاعات المحاكم. وصدرت بحقها أحكام بالمنع والمصادرة. وفي كل مرة كانت الكتب المستهدفة تحصد بسبب ذلك رواجا غير مسبوق، وأحيانا لا تستحقه. ما يجعل السؤال مبررا عن غايات المتحاملين على الكتّاب وكتاباتهم. لكن المسألة في حالة “ألف ليلة وليلة” تدخل منحى جديدا. فالمستهدف هو إرث، كان له حضوره في الذائقة الإبداعية العربية عبر أجيال. إرث فتح آفاقا واسعة في حقول النقد الاجتماعي والسياسي، وأطلق الخيال إلى فضاءات لم يرتق إليها من قبل. وقد كان الناطقون بلسان الأخلاق والقيم، ينطلقون في مساءلاتهم وإدانتهم للأعمال الإبداعية من قاعدة شبه وحيدة: هي تصادم تلك الأعمال مع الموروث. فهل أصبح الموروث الآن هو محل استنطاق واستجواب وإدانة وتحريم؟ هل أصبح بيننا، من يمنح نفسه حق تنقية التراث بسلاح الإلغاء والإقصاء؟ هل هناك حملة مضمرة على مفردات التراث لتشكيك الناس فيها وبالتدريج؟ تلك أسئلة قد تلقى إجاباتها عند الملكين “لير” و”شهريار” في قمتهما المرتقبة... adelk58@hotmail.com