مضت على وفاته الآن أربعة قرون بالتمام. لكنه مازال حاضرا في الصين وفي أوروبا أيضا. كان أول أوروبي يقرّ العزم على أمر عظيم: نشر التعاليم المسيحية في الصين واستدراج الإمبراطور نفسه لاعتناق المسيحية. هذا العام سيُحتَفى به في الصين وفي أوروبا باعتباره أول أوروبي نجح في توطيد العلاقة بين الصين والغرب. إنه الراهب الإيطالي ماتيو ريسي Matteo ricci. كان ماتيو ريسي يعتقد جازما أن الصين هي مركز العالم، وبهذا تشهد الخارطة التي رسمها للعالم سنة 1602م. كان على يقين أيضا من أن المسيحية يجب أن تنتقل من الهامش إلى المركز. الصين هي قلب الدنيا، ومن يصل إلى هذا القلب سينال السعادة الأبدية ويدخل ملكوت السماوات. لذلك نذر حياته كلها لتحقيق هذه الغاية. يذكر الكاتب الانجليزي فانسان كورنان الذي كتب سيرة غيرية لماتيو ريسي بعنوان “ماتيو ريسي الحكيم القادم من الغرب” أن ريسي كان منذ نعومة أظفاره يتمتّع بذكاء خارق. لذلك رشحته الكنيسة للدراسة في أعرق المؤسسات التعليمية في عصر النهضة. فحذق الفلسفة والرياضيات وعلم الفلك. وحال فراغه من التحصيل العلمي انتقل من روما إلى البرتغال ثم توجه إلى الهند. لكن مغامرته الحقيقية إنما بدأت حين بلغ الثلاثين من عمره وارتحل إلى جنوب الصين حيث حذق اللغة الصينية وارتعب. كان رعبه راجعا إلى أمور عديدة، أولها أن اللغة الصينية لا تحتوي أصلا على كلمة تعني “الرب”. والحال أنه إنما قصدها لينشر تعاليم الربّ. ومنها أيضا أن الصين بلاد شاسعة لا يمكن للمرء أن يجوبها عرضا وطولا إلا إذا وهب بدل العمر أعمارا وحيوات. لهذا كله استغرقت رحلة ماتيو ريسي من الجنوب إلى العاصمة بيجين عشرين سنة. أما الرعب الأعظم فهو الخوف من ضياع الهوية. لقد قصد ريسي الصين لينشر تعاليم المسيح وينصّرها شعبا وإمبراطورا. لكنه كان يدرك أن تحقيق هذه الغاية يتطلّب منه أن يكسب ودّ الصينيين وذلك يتطلب أن يتكلم لغتهم ويلبس لباسهم ويتطبّع بعاداتهم ويلتزم بطقوسهم وشعائرهم. وهو ما قام به بالفعل. حتى كاد يصبح صينيا بالتمام. كاد ينسى أنه من الرهبان المسيحيين الذين انتدبتهم الكنيسة لإقناع الدنيا بأن المسيحية هي طريق الخلاص. “اللهم لا تدخلنا في تجربة” هكذا كان الراهب ريسي يردّد محتميا بما جاء في الأناجيل من عظات ودعوات. لكنه خاض التجربة حتى الثمالة، ومضى في الشوط بعيدا فصار يعتقد جازما أنه لا يمتلك الحقيقة وأن شعائر الصينيين ودياناتهم وتقاليدهم تحتوي هي الأخرى على حقائق أبدية. فأدانته الكنيسة دون أن تتفطن إلى أنه لعب دورا خطيرا في التواصل بين الصين والغرب. وبذلك يشهد المعجم الضخم الذي صنّفه واختار له العنوان التالي: “معجم ريسي الكبير للغة الصينية”. وهو يعدّ إلى يوم الناس هذا أهم معجم عرفته أوروبا.