الصياد في أعماق البحار، تمزقت شباكه جراء العاصفة التي هدأ أوارها، فها هو يجدف على سطح مياه زرقاء هادئة. هل سيصل الصياد سالما إلى قريته الهاجعة تحت أضلاع تلك الجبال؟ ربما القرية نفسها، التي كنا نتحدث عنها ونسبح قريباً منها... وتذكرين ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه، ووجدنا البحر يشبه أشلاء ذبيحة أسطورية على سفح إلهٍ غامض. كانت مياهه تصطبغ بالحمرة والصفرة الكامدة المنتنة. كان مريضاً حد الاحتضار، لولا ذلك العناق المتوحد على الرمل والحصى، لمرضنا معه وتهاوت أجسادنا من فداحة المشهد الذي علقتِ عليه بغضب: لماذا لا تثأر البحار والمحيطات لكرامة وجودها النقي، وتكتسح الأرض التي لم تعد ربما مع بشرها صالحة للاستمرار؟ لماذا لا تحيلها قاعاً صفصفاً ويباباً؟ *** الصياد مازال يجدِّف. هل سيصل إلى هدفه المنشود؟ ذلك مالا نعرفه. لكن الصباح رائق والبحر على وتيرة من هدوء وجمال.. (لطالما كرهت الوحدة لن أرسمك وحيداً بعد الآن سأحشرك وسط البياض وستبقى مشدوها كيف وسوست للأبيض البتول قتل الفراغ بهذه الوحشية؟) *** يذهب خيالي للحظة، بما أن الخيال (مصنوع من الذاكرة والنسيان) إلى لوحة (ماجريت) “رجل يتأمل الجنون”، أي جنون يتأمل ذلك الرجل؟ جنون العالم أم جنونه الواقع تحت سطوته وهذيانه؟. لا أتذكر إن كان الفراغ الذي يحدق فيه ذلك الرجل، فراغاً أبيض أم بلون أبيض. فراغاً، فضاء فارغاً، سطوحاً فارغة بألوان الجنون. هل للجنون لون بعينه مثل تلك الألوان التي يبصرها العميان خاصة، هل تختزن تلك السطوح قرارات وأعماقاً، عدا الموت والعدم؟. الفنان البلجيكي الذي قضت أمه جنوناً وانتحاراً، وضع رَجُلَه في زوبعة ذلك الهذيان السرابي الغائم. الصياد يتأمل القارب والبحر. رجل ماجريت يتأمل الجنون. وأنا أتأمل وجهك، ينبلج من بين دوائر الضباب المتراكم هذا الصباح.