نلت دعوة جميلة من اتحاد الطلبة لجامعة الإمارات متمثلة برئيسة الهيئة الإدارية الطالبة ماريا البلوشي. موضوع الدعوة هو حفل توقيع لإصداراتي المتنوعة بين شعر وقصة، أما المكان فهو بـ”العين مول”. لم يكن أمامي أية حجة لكي أرفض دعوة جميلة ومقدرة صادرة من جانب من يشعرك دائما بالأمل المتجدد والحضور الثقافي الذي لا يتبدد، أما العنوان فيسطر حالة من الجمالية المفعمة بالروح: “القراءة أكسجين العقل”. إنها تجربة في بدايتها الأولى إلا أنها ترقى إلى أن تسطر بحروف حالمة وبفكر له أبعاد مستقبلية قادر على بلوغ حيز من التفاعل المكتمل، فحينها قد تشبعه الأقلام الصحفية مجدا وأطراء. فعلا التجربة برمتها تستحق التوقف عندها من حيث التحريض على عامل القراءة المفقود، ومخاطبة العامة في الأماكن المعتادة، فقد لزم مخاطبة العقل للعقل والسعي إليهم وحثهم على جمالية القراءة، فالعقل يذبل دون القراءة. فما هي السبل المتبعة من أجل القيام بهذا الفعل الشاهق؟ لقد تم اختيار الأمكنة بدقة متناهية ألا وهي الأسواق و”المول”.. وتلك أماكن متيقظة وذات حضور نافر وجامح. تم مخاطبة كتّاب وأدباء ودور نشر من أجل التبرع بالإصدارات لبيعها بشكل رمزي من خلال معرض للكتاب يتضمن مسابقة قراءة كتاب في ساعة، وتجرى المسابقة بين القراء بعد إنجاز القراءة. ركن آخر “كاتب وكتاب” خصص للقاء الكاتب مع القراء، وبين الجانبين يتم النقاش والتعارف وإجراء التوقيع من قبل الكاتب لرواد السوق، فكانت تجربة متميزة تعرفت من خلالها على خاصية القارئ متمثلا بانطباعاته وباهتماماته المختلفة والتي تنم عن أبعاد ثقافية مسبقة لا يتخلى عنها القارئ مهما بلغ من العمر، ومهما اختلفت موازين الحياة تظل الثقافة حسب ما أسس لها.. كان هناك الشباب اليانع، ورجال في الخمسينيات، منهم من قرأ لنزار القباني ومانع العتيبة في آن واحد، ما يعد ظاهرة قرائية لا تحددها معالم ولا أطياف من المدارس الأدبية. ونرى في مبادرة اتحاد الطلبة تجسيد فعلي للثقافة من حيث ربطها بالمكان والزمان، ومن حيث صهرها بالمنظومة اليومية والتي هي أصدق في التعبير والتفاعل مع القارئ واكتشاف مكونه واتجاهه، وهي كتجربة أقدر على التفاعل من فعاليات معارض الكتب الأشبه بالمعارض التجارية والتي لا تجدي أو لم تعد ذات نفع، وإذا ما تنامت وفق المعايير المتبعة فهي محض تقليد أجوف بات لا يلزم رواده، فالأفضل أن تنسج معارض الكتب خيوطها في الحدائق والأماكن العامة، وكذلك الفعاليات الثقافية من أماسي وندوات، فعلى القائمين عليها إخراجها من صمتها المقيت وأن نسعى من أجل خلق لحمة مجتمعية ثقافية قادرة على التنمية الفكرية.. وبهذا نكسر الحواجز والتشريعات الزمنية التي بدأت تطمس ثقافتنا وتضعها في عزلة موحشة.