صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

أكتب سطراً·· وأترك سطراً
في الصفوف الأولى للمرحلة الثانوية عين لمادة اللغة العربية في مدرستنا أستاذ من جنوب السودان، كان أسمر شديد السمرة، ينتصب كرمح محارب في غابة، كان يطل علينا كل يوم ضاحكاً عن صف أسنان بيضاء تلمع، وصابون الصباح يعطي لوجهه اغبراراً غير محبب، كان يجيد العربية، لكنه غير قادر على تدريسها، لقد أشفقنا عليه من الحصص الأولى، أو هكذا كان الانطباع، وأدركنا ذلك حين تمادى في تدريسنا النصوص والمحفوظات والقراءة، ويصر عليها، ولا يقارب النحو والقواعد مطلقاً، ثم انه له ميزة أخرى وهي أنه قليل الذاكرة أو لديه بعض الخطوط تتشابك فجأة، فمرة ينشد بيتاً للمتنبي، وحين ينتهي يقول: يا سلام·· يا أخي ابن الرومي دا شاعر جميل خالص فنصحح له القول ونذكره أنه للمتنبي، وبعد قليل يرد: أي·· كلامه جميل جداً··جداً، البحتري دا ·
وهكذا كانت تمر دروس العربية محفوظات ومطالعة، وكنا نفرح بذلك، ولكننا من باب المشاغبة وحين يسألنا عن درس اليوم، نطلب منه درساً في القواعد، فيمتعض، ويطلب منا أن نركزّ على المطالعة، لأنها تقوي اللغة عندنا، فنفتح كتاب القراءة الذي بدأ في الاهتراء من كثرة الاستعمال·
وفي مرة طلب منا في حصة التعبير أن نرتجل تعبيراً شفوياً في وصف جو المطر وإيناع الزهر وقدوم الربيع، فتلككنا وقلنا له اعطنا مثالاً على ذلك لننحو مثلك، ونتبع خطوك، فضحك مسروراً حتى بانت أسنانه البيضاء الصقيلة، فتح ذراعيه وارتجل حتى بالغ في الوصف قائلاً: انظروا·· إلى السماء لتروا الزهور المتفتحة·· ففتحنا نحن أعيننا من الدهشة قائلين: يا أستاذ·· كيف وأين الزهور المتفتحة في السماء؟ ·
فرد ضاحكاً متلعثماً: يا أولاد·· كله تعبير··
ومرة أخرى في أحد الصفوف الإعدادية جاءنا مدرس أردني جديد للغة العربية، وكانت خطواته الأولى في التغرب، ومعرفة أجواء الخليج، فأراد أن يختبر درجة معرفة تلاميذه في اللغة، والتعرف على المدينة من خلال ما نكتبه، فطلب منا أن نكتب في حصة الانشاء موضوعاً من صفحتين، على أن نكتب سطراً ونخطي سطراً، فتكبدت ذلك النهار عناء اختيار الكلمات الطنّانة، الرنّانة، ذات الجرس الغريب وغير المألوف، وكتبت بخط جميل ملء صفحتين تاركاً فراغاً بين السطرين، كعادة اكرهها حتى الآن، واصفاً جو العين الجميل، والنسائم المتهادية على إيقاع النخيل، والظل الذي يتبعك كغمامة بيضاء على رأسك، وتلك الخضرة التي لا تفارق العين، والمياه المنسابة التي تحاذي البساتين، والغزلان الواردة على العيون التي تغبّ فيها فزعة شروداً، وتلك المنازل الطينية التي تفرح بالمطر، وبالمساء إذا ما خيم عليها بسكينته وبرودته·
أعجب الأستاذ بموضوعي ومدحه شفهياً أمام الطلاب، ويبدو أنه ذهب متجولاً في المدينة، تابعاً وصفي التعبيري، فضربته رياح سموم العين، واحترق نعلاه من رمضائها وسعيرها، وجرب هجيرها، فعاد لنا في اليوم التالي ووجه متغيراً، وأعطى كلا منا دفتره، وكنت أضحك من الفرح الداخلي لأنني أعرف نتيجة التعبير الذي مدحه أمام الطلبة، وحين فتحته وعيون الطلاب تتفحصه قبلي، فوجئت بكلمة لا بأس فاندهشت من النتيجة، رمقني بعين حارة، وتدارك قائلاً ومفسراً لي: لو أعطيتك علامة كاملة·· فستصبح غداً كذاباً كبيراً·· ·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء