ما أن تسمع بجهة تبدأ في الحديث عن خسائر تلحق بعملياتها، وتعزف هذه الأسطوانة، حتى تتبعها بنغمة إلحاح لطلب رفع وزيادة أسعارها. عزفت هذه الأسطوانة مراراً وتكراراً شركات توزيع الوقود في بعض الإمارات فرضت بعدها السعر الذي تريد للديزل، وهكذا.
هذه الأيام، تطالعنا شركات التأمين الصحي بالأسطوانة المشروخة ذاتها، وهي تزعم أنها منيت بخسائر، وذلك لتمرير الزيادة في الأقساط والرسوم، والتي فرضتها فرضاً كممارسة سنوية منذ خمس سنوات تقريباً دون تدخل رادع من الهيئات الصحية المعنية.
والواقع يشير إلى أن هذه الشركات وبعض مزودي الخدمات الصحية، أساؤوا تقدير مبادرة الدولة والتفاتها نحو القطاع الطبي الخاص باعتباره شريكاً مهماً في هذا المجال. واعتبروا إدخال نظام التأمين الصحي بمثابة تفويض لهم باستغلال الناس من دون أي اعتبار أخلاقي أو إنساني. ويتابع المرء صوراً من الممارسات التي تتعامل فيها بعض شركات التأمين مع جسم الإنسان وحالته الصحية بصورة لا تختلف كثيراً مع تعامل شركات التأمين على السيارات مع المركبات المتضررة من الحوادث المرورية.
وتابعت ذات مرة طلب مريض للضمان الصحي لإجراء عملية جراحية في مستشفى خاص، فقيل له إن العملية ذاتها تجرى في المستشفى الفلاني بكذا وفي المستشفى العلاني بكذا، وعليه اختيار العرض الأقل، وإلا فإن “الضمان” لن يغطي التكاليف! وحالة أخرى، ذهب صاحبها للطوارئ لعلاج ابنه من كسر. وعند المراجعة قيل له إن الحالة لم تعد طارئة، وعليه الحصول على موافقة “الضمان” مقابل تكاليف المتابعة وتجديد الغيار، ناهيك عن قيود صرف الأدوية عن الأمراض المزمنة والتي تطلب جرعات لفترات طويلة، بحجة أن التأمين لا يغطي سوى أيام معينة أو أن البطاقة قريبة الانتهاء، وحتى التفريق بين البطاقات بحسب فئاتها وألوانها، خاصة عندما يكون المؤمّن له لديه أكثر من ثلاثة أبناء، حيث يغطي الضمان الصحي من جهة العمل ثلاثة أطفال فقط، ويضطر الأب لاستخراج بطاقات بفئات أقل لبقية أفراد أسرته.
وما زلت عند قناعتي بأن “الضمان الصحي” نزل برداً وسلاماً على القطاع الطبي الخاص الذي كانت الغالبية العظمى من منشآته تعاني، بل منها ما أفلس وبيعت معداته من قبل دوائر تنفيذ الأحكام القضائية في المزاد العلني لسداد مستحقات وديون عليها. ومع هذا عندما قررت الدولة تطبيق قانون الضمان الصحي اعتبروه “المن والسلوى” واستغلوه بصورة لا تتناسب والأهداف الإنسانية السامية للقانون.
ومع ارتفاع كلفة هذه الخطوة، فإن الجهات والهيئات الصحية الرسمية مدعوة لمواجهة تلك الشركات بشفافية ووضوح، لتدرك أن الدولة ليست بعاجزة عن تقديم الخدمات العلاجية والصحية بالكامل، كما كانت عليه قبل “الضمان الصحي”، وهي قادرة على استعادة إدارتها للمسألة برمتها، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، ما لم تتطهر هذه الشركات و”أكشاك” العلاج من الممارسات الاستغلالية التي لا تمت للخدمات الصحية بصلة.
واليوم وبعد مرور كل هذه الأعوام، نحن بحاجة فعلاً لوقفة مصارحة وتقييم للتجربة بعد أن حاد عن جادة الصواب والمعقول العديد ممن تعتبرهم الهيئات الصحية “شركاء استراتيجيين”!!.


ali.alamodi@admedia.ae