يشهد القلب التجاري للعاصمة أبوظبي وجوداً كثيفاً للعمالة السائبة بكل معنى الكلمة، واختفاؤها مع ما تحمل من تصرفات ومظاهر غير حضارية، هو من مؤشرات نجاح استراتيجية وزارة الداخلية في القضاء على المخالفين للقوانين.
لا يحتاج المرء لجهد كبير لرصد الظاهرة التي تزداد يوماً بعد يوم من دون أن يلوح في الأفق حل، فهذه العمالة السائبة تنتشر هناك وبين الشوارع الفرعية، وتفترش حدائق الطرق الرئيسية، وعند مداخل البنايات منذ ساعات الصباح الأولى، تعرض خدماتها من نقل للأثاث أو في مجال الصبغ والبناء والتمديدات الكهربائية وغيرها من المهن.
أما في المساء فينقلب المشهد إلى تخمة في أعداد العمالة السائبة ممن يمتهنون بيع الأرصدة الهاتفية، وتكون الشوارع الرئيسية والفرعية ساحات التقاء بين الباعة والمشترين، وهم من الجنسيات ذاتها أيضاً، وأكثر الذين يقبلون على هذه التجارة خدم المنازل المجاورة وغيرهم من العمالة المنزلية.
وهناك أيضاً تلاحظ عرض أصحاب السيارات الخاصة من الجنسيات الآسيوية خدمات التوصيل للضواحي لمواطنيهم، ويستبيح سائقو الحافلات الصغيرة المواقف العامة والشوارع الخلفية ومواقف الفلل السكنية، لتحميل وإنزال الركاب بعد أن امتنعوا عن تطبيق «القانون»، بحيث لم تؤد شكاوى المواطنين من الإزعاج الذي يواكب تلك الظواهر لأية نتيجة، بل تجرأ هؤلاء على مخالفة القانون وبيع البضائع مجهولة المصدر علناً.
السكوت عن هذه المشاهد، وتزايد أعداد الحافلات المخالفة والكثير منها قادم من خارج أبوظبي، يحمل في طياته مؤشراً على العجز عن توفير النقل المريح والآمن لهذه الفئات من المقيمين التي تتحمل مخاطر استخدام تلك الوسائل غير المشروعة في النقل، والذي تحذر منه الشرطة، وفي الوقت ذاته تغض الطرف عنها، ولا تتذكرها إلا في المواسم.
ومن المؤكد أن ترك هذه المشاهد المؤذية والمزعجة تستفحل سيكرس صورة غير حضارية، تتعارض مع جهود جعل مدينة أبوظبي أكثر مدن المنطقة جمالاً ونظافة بحسب رؤية «أبوظبي 2030». وكذلك الشق المتعلق باستراتيجية شرطة أبوظبي ووزارة الداخلية.
وأعتقد أن عدم التحرك الجاد للقضاء على مظاهر العمالة السائبة تلك، من أسباب ضعف إقبال المخالفين لقوانين الإقامة على الاستفادة من مهلة مغادرتهم من دون مساءلة قانونية، لأن المخالف بممارسة تلك الأعمال الهامشية، وفي سوق تقع في قلب العاصمة ومركزها التجاري، يكون قد ضمن لنفسه مصدراً للدخل يمكنه من البقاء في البلاد، مع المخاطر الأمنية التي قد تترتب على استمرار مثل هذه الظواهر.
من يعتقد من المسؤولين سواء في شرطة أبوظبي أو دائرة النقل أن الأمر فيه شيء من المبالغة، أدعوه لمرافقتي في جولة سيراً على الأقدام في المناطق التي ذكرت، وستكون الجولة «أكثر إمتاعاً» بعد غروب الشمس، وبالذات يوم غد، أي في أيام الجمع والعطلات.


ali.alamodi@admedia.ae