صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

تذهب إلى أي سوق أو مركز تجاري، فيصدمك منظر الأطفال والمراهقين، الذين يحملون في أيديهم أحدث أجهزة الهواتف المتحركة (الموبايل)·· وتصاب بدهشة أكبر حين تكتشف أن أربعة من كل خمسة أطفال لم يبلغوا بعد سن الرشد، يحملون أكثر من جهاز لكل واحد منهم!
تنظر إلى أحدهم من بعيد فتتملكك الضحكة·· مراهق 'مفعوص'، بالكاد خرج لتوه من البيضة، يرتدي كندورة 'كاشخة'، ويحمل بين يديه جهازي موبايل، وفي الجيب جهاز ثالث·· وكلها تعمل بتقنية 'البلوتوث' وخدمة "SMS" وخدمة الوسائط والشبكات، وإذا دققت في جهازه، فسوف تجد أنه مزود بخدمات إضافية أخرى مثل الإنترنت والفاكس والكاميرا والفيديو والراديو وربما الاتصال بالقنوات الفضائية!·· باختصار تستطيع القول إن هذا الأخ الصغير عبارة عن محطة إرسال واستقبال متحركة بكامل أجهزة التقوية والتحويلات·
وتقترب من هذا المراهق 'الخقّاق' قليلا، فتندهش حين تجده واضعا سماعة فوق أذنيه·· واحدة في الأذن اليمنى والأخرى للأذن اليسرى·· وفي الغالب فإن السماعة الثانية هي من نوع 'واير لس' التي يستخدمها في الغالب الوسطاء في سوق نيويورك للأوراق المالية، أو المرافقون في الفريق الأمني لأحد زعماء العالم·
أما إذا أمسكت بجهاز من الأجهزة الثلاثة أو الأربعة التي يحملها، فإنك لن تكتشف ما يسرك·· فالأخ الذي خرج لتوه من البيضة، لا يحتاجها مثلا لحفظ معلومات مفيدة عن شركاته أو مؤسساته أو أعماله التجارية، كما أنه لا يستخدمها من أجل التواصل مع مواقع علمية مهمة على شبكة الإنترنت، ولا للتخابر مع شخصيات اقتصادية مهمة في الأسواق العالمية ولا لحفظ صور مفيدة، بل يستعرض بها أمام ربعه للتباهي ولإخبارهم بأن والده (وفي الغالب والدته) قادران على شراء ما يرغبه من أجهزة الموبايل··
أما عن استخداماته فحدث بلا حرج·· فالأخ يقضي نصف وقته في الاتصالات التي لا طائل من ورائها سوى مضاعفة مبلغ الفاتورة الشهرية، والنصف الآخر في التسكع في المولات وقضاء الوقت لتصوير الآخرين، وتبادل الصور والكليبات مع أصدقائه·
سافرت كثيرا إلى معظم دول العالم، ولكنني لم أجد مناظر كتلك المناظر التي أشاهدها عندنا هنا·· فلا أتذكر أنني شاهدت مراهقا تحت سن الثامنة عشرة من العمر، يحمل جهاز الموبايل أصلا، ناهيك عن التجرؤ على حمل أكثر من جهاز·· في جميع دول العالم المتحضر لا يستخدم جهاز الموبايل إلا من هو بحاجة ماسة وضرورية إليه، وفي الغالب يستخدمه الكبار للتواصل مع المنزل أو مقر العمل أو الأعمال التجارية الخاصة بهم·· أي لأغراض مهمة·· أما عندنا فإن الجهاز أصبح متاحا لكل المراهقين والذين لم ينتقلوا بعد من مرحلة الطفولة·· ويا سبحان الله··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء