التخطيط ورسم سياسات عمل حسب متطلبات سوق العمل في الإمارات ليس كما قد ينظر إليه البعض على أنه تراخٍ عن واجبات التوطين أو تخلٍ عن دعم توظيف المواطنين، علينا أن نتفهم الأمور بشكل أكثر منطقية، فالتوطين هدف واستراتيجية وطنية وحكومية لا يمكن التخلي عنها أو التراخي فيها، وكل ما نراه ونشهده يدل على ذلك، حيث القرارات والمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ هذه الاستراتيجية كمجلس أبوظبي للتوطين مثلاً وهيئة تنمية وغيرها من المؤسسات المعنية بشكل مباشر وغير مباشر عن تمكين المواطن الإماراتي في مجمل عملية البناء والعمل والمشاركة. إن مبدأ التوطين وتوظيف الشباب المواطنين من الجنسين قد طرأت عليه متغيرات بحكم تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية داخل الإمارات، إضافة للتغيرات التي يشهدها العالم في كل اتجاه ما يعني أننا وكجزء من هذا العالم علينا أن نتجاوب وأن نندمج وألا نكون بعيدين مما يحصل، إن أكثر من 50 % من طالبي العمل اليوم هم من سكان مدينة العين مثلاً بحسب آخر إحصائيات مجلس أبوظبي للتوطين، كما أن 72 % من المتقدمين للوظائف من خلال المجلس هم من السيدات، وعلى ذلك فإن متغيرات جديدة دخلت إلى مفردات سوق الوظيفة، والذين يبنون الاستراتيجيات ويقدمونها كتوصيات للحكومة يعرفون مقدار الحاجة للمرونة مع سوق العمل ومقدار التحديات التي تتطلب منهم العمل على توفير فرص عمل وتوظيف في مناطق بعيدة وفي بيئات محافظة فيما يتعلق بعمل المرأة. لا يزال عدد كبير من أهل الإمارات ينظر للأمور من خلال هذه العقلية المحافظة، وهذا ليس خطئاً بحد ذاته، لكن على الأجيال الجديدة أن تعلم أن العمل في عام 2010 ليس كالعمل في عام 1980، لقد جرت أمواج التغيير بغزارة تحت جسور المجتمع وآن للأجيال الجديدة أن تتزود بحزمة جديدة من الأفكار في تعاطيها مع سوق العمل. أعرف فتاة إماراتية تعمل في مجال الاستشارات القانونية وهي تتمتع بمواصفات ممتازة من حيث القابلية للتعلم والمهارات التي تتطلبها وظيفة مستشارة قانونية، وحين جاءتها الفرصة وبمرتب خيالي ترددت أولاً واستشارت الأخوة والصديقات وفي النهاية رفضت العرض المغري، لماذا؟ لأن الوظيفة في إمارة أخرى غير تلك التي تعيش فيها، وهي لا تستطيع العمل في إمارة أخرى غير إمارتها، ولا تستطيع الحياة بعيداً عن أسرتها، و.....الخ هذه القائمة المعروفة من الأعذار التي نتفهم بواعثها، لكن هذه الأعذار يجب أن تتوقف ذات يوم لكي ينال الشباب الإماراتي فرصته كاملة في إمارات أخرى وبلدان أخرى إذا لزم الأمر !! هذه واحدة من القصص التي تتكرر في حياتنا ونسمعها كثيراً، ومن ثم يتوجب على القائمين على رسم سياسات التوطين وتوفير فرص العمل لشباب الإمارات في مناطق مختلفة، أن يتعرفوا على هذه المعوقات وأن يذللوها بأن يعملوا على إعادة تثقيف الأجيال الجديدة وتزويدها بمهارات وخبرات حياتية تعمل على تغيير الذهنية بشكل سلس وطبيعي. نحن نحترم خصوصيات هذا المجتمع، ونعلم يقيناً مدى حرص الناس على خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية، وندعو للتمسك بها أكثر، حفاظاً على الهوية ومنظومة القيم، لكننا أيضاً نريد لأبناء الإمارات ألا يفرطوا في حقوقهم بوطنهم وفي الوظائف والفرص المتاحة لهم حتى لا يعودوا للبكاء بعد ذلك لأن آخرين أخذوا وظائفهم، وبالتأكيد فإن الظروف المعيشية يمكن التغلب عليها بشيء من التضحية. ayya-222@hotmail.com