على الرغم من التحولات الكبيرة وتغير أنماط كثيرة في مجتمع الإمارات، وعلى الرغم من تدفق العمالة الأجنبية الهائلة، والتي وصلت إلى 70 في المئة من مجموع السكان وعلى الرغم من انفتاح مجتمع الإمارات على ثقافات، وحضارات وقيم إلا أن مجتمع الإمارات ما زال متماسكاً ويحتكم أفراده إلى القيم والعادات والتقاليد المستمدة من تعاليم الدين الإسلامي، وما ورثه أفراد المجتمع من مخزون ثقافي وفني على مدار القرون.. هذا ما أظهرته دراسة كشفتها وزارة الشؤون الاجتماعية والتي شملت مختلف شرائح المجتمع مستخدمة الاستبيان كأداة لدراسة المؤشرات.. ويهمنا في هذا المقال أن نلقي الضوء على خطين متوازيين متساويين في الأهمية.. أولهما اهتمام الدولة وبخاصة الجهات المعنية كوزارة الشؤون بوضع الدراسات وأخذ المؤشرات الاجتماعية عبر الاستبيان والبحث العلمي للمعرفة عن كثب ما يجري في مجتمعنا من تطورات وأحداث اجتماعية ذات أهمية قصوى في فهم متطلبات المجتمع وعلاج مشكلاته، وملاحقة التحولات بأساليب علمية تقوم على البحث والدراسة على أيدي متخصصين وذوي خبرة علمية وأكاديمية عالمية.. فالمجتمعات المتحضرة لا تتقدم ولا تتطور، ولا تستطيع معالجة مشكلاتها الطارئة والظواهر المتدفقة إلا برصد ما يحدث وما يستجد من مشكلات ليتم التعاطي معها بأدوات علمية وعملية.. وتعتبر خطوة وزارة الشؤون نحو الدراسة والبحث خطوة متقدمة وتبرز الوجه الحضاري لمؤسساتنا الوطنية. فلا يوجد مجتمع دون هنات أو كبوات المهم في الأمر أن نكتشف هذه المعضلات، وألا نغمض العين عنها ولا نصم الأذان حولها. الخط الثاني وهو الأهم.. عندما تبرز دراسة علمية مثل هذه النتائج فإنها تعطي مؤشراً واضحاً حول خط السير الذي يتجه نحو المجتمع وتمنح للمتتبع مدى قوة القيم التي يرتكز عليها أفراد المجتمع، وعظمة هذه القيم ورسوخها في الوجدان البشري.. مجتمع الإمارات بنتائج هذه الدراسة يبرز نصوع ثقافته في خضم التراكم القيمي والثقافي المختلط، ويؤكد أنه مجتمع قادر على مواجهة الأحداث والتطورات الاجتماعية، وأيضاً من خلال هذه الدراسة نستطيع أن نسلط الضوء على أهمية التمسك بالقيم وعلى ضرورة توجيه الجهات الثقافية المعنية بتأكيد الجهود من أجل تمتين حائط الصد الثقافي، وتمكين الإنسان من أخذ الحيطة والوقاية، والعناية والحماية، لموروثه الثقافي، وما اختزنته الذاكرة الإماراتية من معطيات ثقافية، كفيلة بأن تصبح ذات المناعة القوية لمواجهة أي فيروسات أو ميكروبات خارجية مداهمة. مجتمع الإمارات بحاجة إلى مثل هذه البحوث، وبحاجة إلى مثل هذه الأجراس، كي يسمع دقاتها، وهي تحيط بفضائه الاجتماعي وتطوق خاصرته الثقافية.. مجتمع الإمارات بحكم وجوده كمرتكز لتلاقي الثقافات يحتاج إلى هذه النواقيس، والنواميس ليبقى الضوء الثقافي المحلي ساطعاً لامعاً، رادعاً متوهجاً ومتألقاً وبارقاً، لا تغشيه غاشية، ولا تطيح به فاشية، وكلما أصبح المشهد لوحة واضحة وصريحة، نمت العلاقة بين الباحث والمبحوث حوله، اتسعت حدقة الرؤية وتلاشت المشكلات.