صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تلصص

سلوك التلصص والتفرج، سلوك نتفرد به نحن العرب، نعشق معرفة الأسرار والأخبار الدفينة، نحب الغامض لنحيك حوله التأويلات والتفسيرات ، لنتوسع كثيراً في الشائعات ، لنقسم أغلظ الأيمان أن ما نراه حقيقة وأن ما نسمعه واقع· سلوك جمع المعلومات المغلوطة ،وحشوها ودسها في وعاء كاتم، ثم إخراجها بعد وضع الماكياج، والإزاحة والإحالة، والمسخ والفسخ، لتُشهر المعلومة بعد ذلك أمام الملأ، وكأنها الحقيقة التي لا ترد ولا تصد، ولا تقبل التحريف أو التزييف·· سلوك نتقدم العالم أجمع في ممارسته والتباهي به، ولا يكون الواحد منا سعيداً في يومه إذا لم يسمع حادثة ليحولها إلى نشرة أخبار مفصلة بالصوت والصورة، لا يكون الواحد منا سعيداً في يومه إذا لم تكن في جعبته ''سالفة'' يمضغها ويجترها ويسددها باتجاه الآخر كركلات الجزاء الطائشة·· لا يكون الواحد منا سعيداً إذا لم تشرق الشمس عليه ويكون في رأسه ''سالفة'' يدبلجها، ويضيف إليها المساحيق والمعاجين لتصبح حديثاً يسيل له لعاب السامع، وتنفتح له الثغور، وتبحلق العيون، وتتحرك الشجون· الواحد منا يسير في الشارع وقد يرى حادثاً ما، فيتوقف في عرض الطريق تاركاً مشاغله وشؤونه ليعرف ماذا حدث وكيف حدث، ولماذا حدث، ومن المخطئ ومن المجني عليه، من هو، وما اسمه واسم قبيلته وكم عمره، وهل هو رجل أم امرأة، وما هو رقم سيارته، هل هو مميز أم عادي، وما لون السيارة و ماركتها، وهل كان المخطئ مسرعاً، أم سكران، وقد يتجه إلى شرطي المرور الذي وقف ليؤدي واجبه ومعاينة الحادث ويسأله عن الأسباب والنتائج· في هذا الوقت، يكون الواحد منا قد عطل السير، وتراصت السيارات واكتظت واحتشدت، وارتفعت أصوات الأبواق، وأحياناً أصوات السائقين، وتداخلت الشتائم والسباب بأصوات الاستغاثة والمناجاة والرجاء بأن تفك عقدة هذه السلسلة محكمة الإغلاق، ويتوه شرطي المرور بين أداء الواجب وبين الإشارات والتلويحات بكلتا يديه، وبصافرة فمه لكي يتنفس الشارع الصعداء من هذا الزحام والحشر الذي صنعته عقلية إنسان ما كان هدفه إلا معرفة ما يجري وما جرى ولماذا جرى·· مثل هذه السلوكيات قد تكلف الوطن ثمناً بالغاً قد يموت مصاب نتيجة عرقلة السير، وتأخير وصول سيارة الإسعاف، ليس لإهمال من سائقها، بل لأن أحد الأخوة قاده فضوله ليقوم مقام شرطي المرور، فيحلل ويفسر، ويهلل ويكبر، ويسترسل في الحديث عما جرى وينظر ويكتب رواية طويلة عريضة، ويستقبل سواه من المتسائلين بالإجابات الجاهزة عن الحادث، وكيف يتم، من المخطئ ومن المصيب، وهذا النوع من البشر يتحدث بفخر وانتشاء وبعزيمة المظفرين، يشعر وكأنه امتلك زمام الحقيقة، وكأنه اكتشف دواء لداء عضال ، أو وقعت بصيرته على اختراع جديد ينقذ البشرية من ويلات وأهوال·

الكاتب

أرشيف الكاتب

الطير والقمحة

قبل 9 ساعات

تنبؤات

قبل 23 ساعة

مطر.. مطر.. مطر

قبل يوم

ما تحت الخمار

قبل 3 أيام

نغمة

قبل 5 أيام

ناصية الضجيج

قبل 6 أيام

نخاصم فنصطدم

قبل أسبوع
كتاب وآراء