صادف في يوم من الأيام أن أكون عند بعض المحلات التجارية التي يديرها أحد الأخوة العرب، وإذا بسيدة أجنبية، وبالتحديد أوروبية الجنسية، كان لها غرض ما من هذا المحل؛ وما لفت نظري لهذه المرأة هو إصرارها على أخذ حاجتها من المحل من خلال التخاطب مع البائع في المحل باللغة العربية، برغم ما أبداه البائع من قدرته على التخاطب معها باللغة الإنجليزية. وشكل لي هذا السلوك من المرأة نموذجاً يحتذى به في احترام الثقافة اللغوية للمكان؛ وهنا لا أعني أن عدم قدرتها على التخاطب باللغة العربية هو عدم احترام للمكان. فالنموذج الذي تشكله المرأة يتمثل في الجهد المبذول من أجل التعرف على المكان بالذهاب نحوه والدخول إليه من خلال لغته، تقديراً له ولنفسها وتعبيراً عن أنها تأتي إليه بروح المحبة والتعارف السليم والاعتراف بثقافته وطبيعته الاجتماعية. وليس العكس، حيث كل شيء يجب أن يخضع لقانون ونظرة القادمين من قارات الثلج وحقول التكنولوجيا والعلم الهائل، حتى أن الأماكن الصغيرة في الإنجاز العالمي الحديث تقدم تنازلات على حساب ثقافتها ولغتها من أجل التواصل، وأصبح من الضروري الذهاب إلى المعاهد إذا ما كنا لا نجيد لغة التخاطب بلغتهم، والبحث عن مترجم كي يمكننا من الحصول على حاجاتنا الصحية والاستهلاكية والعملية والتواصل مع الحاضر في مكاننا. وهنا في هذه السطور ليس المقصود هو رفض تعلم اللغات الأخرى والتخاطب والكتابة والقراءة بها حتى في المكان، بل القصد هو رفض التهميش للغة المكان. ومحاكاة للأقلام التي تذمرت وتتذمر من التهميش الذي أصبحت عليه لغة التخاطب العربية، ورغبة في اتخاذ المزيد من الإجراءات من أجل الحفاظ على اللغة، ومثال ذلك وضع اشتراطات بضرورة إتقان نسبة معينة من اللغة العربية لكل من سيوظف من أصحاب الألسنة الأعجمية في المؤسسات الخاصة والحكومية؛ وذلك تماشياً مع ما تطالب به كل البلدان الأجنبية وهو إتقان لغتها لكل من يرغب دخول حقل العمل عندها. في ثقافتنا الاجتماعية تعودنا أن نلقي التحية على كل من نصادفه كجزء من الاحترام والتقدير لأنفسنا أولاً وللآخر الذي نلقي عليه التحية، كي نكسر أي حدة يمكن أن تتواجد في التقاء الأرواح.. وعندما نزور بلداً ما، فأول ما نقوم به من تواصل إنساني هو التعرف على كلمات ونوع التحية عند شعبه.. لكن العجيب هو إننا في المكان أصبح علينا أن نلقي التحية بطريقة الآخر الذي نلتقيه، وألا، التحية وهي «السلام عليكم» لن تجد لها صدى عند الكثيرين، وكأن العقلية المتلقية للتحية، تعيش ما تم ويتم تكريسه من رؤية سلبية تجاه الثقافة العربية والإسلامية، غير مدركة لما تحمله هذه التحية من معنى المودة والتسامح والتمنيات بالسلام. لكن يبدو حتى التحية على وشك أن تصاب في مقتل!.. ولكن في الوقت نفسه، يشكل الاستمرار في أدائها بحب، فعل بقائها واستيعابها من الآخر. saad.alhabshi@admedia.ae