جاءني شاب في مقتبل عمره، يريد أن يشق دربه، ويبني مستقبله، يطلب المشورة مني، فاعتقدت أنه خريج إعلام، وينوي العمل بالصحافة أو خريج آداب، ويلتمس طريقه في النشر الأدبي، فاجتهدت أن أختزل له النصيحة في جمل واضحة، ومقتضبة، وتنبئ عن حرص أخوي، وروح وطنية، فاستوقفني في منتصف حديثي قائلاً: إنه خريج إدارة أعمال، فشعرت وقتها كمن صفق في وجهي باب البنك الذي أتعامل معه، فقلت له: يبدو أنك قصدت شخصاً آخر، أو أن أحداً دهاك عليّ، يريد الضحك علينا نحن الاثنين، فقال: لا.. إنما قصدتك ذاتك، فقلت له: لن أنفعك، فأنا شخص يحب الحياة، ويستمتع بها، كما أحب العمل وأستمتع به، لا شيء غير ذلك، وهما أمران يعتمدان على الجسد وصموده، ولكنك أبصر مني، وأخبر، وأنت الخريج في أمور المال والأعمال، وأنا رجل درويش تربكني المصطلحات الاقتصادية، وترهق عقلي، وأكاد لا أفرق بين الدخل القومي، والناتج المحلي، وأكثر شيء أكرهه في الصحف حين تنشر البنوك إعلاناً على أربع صفحات عن تقارير، شخصياً أشك في معظمها، رغم ختم المدقق القانوني، وبيوت الخبرة التي تتكون أسماؤها من 3 أحرف بينها نقط، وأشك كذلك أن أحداً يقرأ تلك التقارير ذات الخطوط الصغيرة المضغوطة، والأرقام الباهتة! وكدت أن أوصيه ببعض كتب رجال الأعمال الذين يتفرغون بعد حسابات الأرباح إلى تأليف كتب عن حياتهم العصامية، وكيف شقوا طريقهم الصعب دون الاعتماد على أحد، وتلقى رواجاً في الأسواق بعدة طبعات، وترجمات إلى لغات عالمية، وغلافها بالطبع صورة مكبرة، ومزيّنة لرجل الأعمال، وهو في منتصف أعمار أمتي. كان الشاب على وجهه، ويتوسم فيّ الخير، فقلت: لن أخيّب ظنه، وسأصارحه، وعلى رأي المثل: «وإلا لقحت، وإلا ما ضرها الفحل»! قلت له: إنه يمكنني أن أقدم نصائح كثيرة قرأتها من خلال سير كثير من العصاميين من فلاسفة وأدباء وناجحين في الحياة، لكنها لن تخلق منك رجلاً ذا شأن في سوق الأسهم، أو يمكنه أن يفتح «حفيزاً» في شارع مهم، أو يمتلك «قنطرازاً» في «الكمب أو الفرضة»، يمكنني أن أسرد عليك تجارب رجال الأعمال في كتبهم التي كتبها صحفيون قريبون منهم، ويرضون بالقليل، لا كتّاباً حقيقيين، ومقتنعين تماماً بنجاحهم المتصاعد، والذين عادة ما يستفتحون الكتاب بمقدمة متشابهة، تضفي بعض الهيبة والأهمية والعصامية لرجل الأعمال الذي بدأ حياته مثل أي إنسان عادي، عاش فقيراً معدماً، عانى من الجوع، وشظف العيش، اشتغل بائع صحف أو حارس مدرسة أو بائعا في مكتبة - وخذ من هذا الخريط كثيراً- كان يمكنني أن أكذب عليك، مثلما كذب كثيرون من رجال الأعمال بقولهم: ليس المهم الملايين، المهم كيف تجمع المليون الأول، أو مثل ما تتمنطق بعض الفنانات: ليس المهم الفلوس، المهم الأخلاق، أو مثل المال يصنع المال، لكنه لا يصنع الرجال، كان يمكنني أن أقول لك: عليك بتنظيم الوقت، والاستيقاظ مبكراً، لأن «الرزق يحب الخفيّة» و»اللي يحب العكري، يقوم بكري» وإلى ما هنالك من الأمثال التي لن تغنيك عن البطاقة الائتمانية في شيء، وأن عليك اتباع سياسة الباب المفتوح مع موظفيك، ونصائح أخرى مثل: ما فيه مثل القرش الحلال، وأن الربح ولو كان قليلاً فهو مبارك، والفائدة ولو كانت كبيرة، فإنها من الممحقات، نصائح أعدها شخصياً لا معنى لها في صفقات المال والأعمال، ولم يعتمد عليها أحد من الناجحين في بيع السلاح أو السمسرة أو الاغتناء من الحروب ومصائبها أو التهريب أو المحافظ الوهمية أو اقتناص الفرص أينما كانت، وكيفما كانت، أو الاعتماد على النساء كثيراً كسفيرات لصفقاتهم! شعرت أنني أرهقت الشاب، وأخاف أن يصطدم في أول مقابلة له مع مدير الفرع للبنك الذي تدغدغ خاصرته الفوائد المركبة، ورسوم الخدمات، والرسوم الإدارية، حينما يقدم على سلفة، يمكن أن يبدأ بها جمع مليونه الأول!