إهمال الآباء لأبنائهم يؤدي إلى فواجع ومواجع، لا شفاء منها لأنها تأتي بعد فوات الأوان، وبعد أن يفقد الآباء فلذات أكبادهم، فلا يفيد بعد ذلك عض الأصابع، ولا يفيد الإحساس بالذنب تجاه من ذهب ولن يعود.. خلال هذا الصيف وقعت عدة حوادث مؤلمة، وتعود أسبابها إلى اتكال الآباء على الصدف.. فبدءاً من الصغيرات الثلاث اللاتي ذهبن دهساً، وهنّ بصحبة الخادمة، وهنّ يعبرن الطريق العام، ثم الصغيرين اللذين غرق أحدهما في شواطئ أم القيوين، وهما يسبحان في البحر، دون حماية أو رعاية، أو عناية من كبير يلجم حماسهما الطفولي في ارتياد الأماكن الخطرة، والممنوعة.. بعد ذلك يأتي دور الطفلة التي نستها أمها في السيارة المغلقة.. نشعر بالأسى، ونشاطر هذه الأم مأساتها في فقيدتها، لكننا لا نستطيع أن نغفل دور الأم، وكل ولي أمر يتصور نفسه مكان هؤلاء المفجوعين، فتسلبه الفجيعة القدرة على تخيل الموقف المريع والفظيع، والذي لا شيء أوجع منه، لأن فقدان الابن، هو انكسار للظهر، وانحسار للحياة، واندحار للفرح، وانتحار للأمل في عيون من يفقدون، ومن يصابون بهذه الآلام الكبيرة، والتي لا يضاهيها ألم في الدنيا. نشعر بالأسى، ونحن نتهجى هذه الأحداث، بقلوب مدماة بالألم، ولا نملك إلا أن نقول لأولياء الأمور، لا تدعوا الإهمال يضع سطوته على قلوبكم، ولا تفكروا في شيء غير هؤلاء الصغار، لأنهم أمانة في أعناقكم، ولأنهم ثروة وطنية تضيع هباءً منثوراً، ولأنهم صغار لا يملكون من الحكمة، ولا الحنكة ولا الفطنة، ولا الخبرة، ولا التجربة في مواجهة الأخطار، الأمر الذي يجعل المسؤولية جسيمة وعظيمة، إذا تركت الأمور على علاتها، وسارت الرياح على أدراج الصدفة، أو من لا يهمه أمر الأطفال أكثر من آبائهم وأمهاتهم.. لا نملك في هذا الصدد إلا أن نقول لأولياء الأمور رفقاً بأحباب الله، وتحملوا مسؤولياتكم تجاههم، طالما قبلتم أن تكونوا أولياء أمر، وكونوا على مستوى المسؤولية حتى تحفظوا أبناءكم، وتحموا عيونكم من الدموع، وتمنعوا الحزن من سلب قلوبكم، بعد أن يمضي الذي مضى، ويقضي الذي قضى، ولا ينفع الندم بعد العدم، ولا ينفع الإحساس بالذنب بعد فقدان من سكن اللب والقلب.. لا نملك أن نقول إن ما يحيق من أخطار في الطفولة أصبح دافعاً قوياً، للتدخل والمعاقبة، والمحاسبة لمنع وردع ما يحدث، وما يسبب هذه الكوارث المفجعة.. لا نملك إلا أن نقول يا آباء، ويا أمهات نناشدكم بالله والدين والأخلاق، والضمير، كفوا عن هذا الاستسهال في التربية وتوقفوا عن إلهاء النفوس والعقول بأمور لا تساوي ذرة تراب تحت أقدام من يفقدهم الوطن، وتخسرهم القلوب.. الأبوة الحقيقية والأمومة ليست في الإنجاب، وإنما تكمن في العلاقة الفطرية، فيما بعد ذلك وما يستلزمه من حسن التربية، والرعاية، والاهتمام، والإلمام بشؤون الأخلاق الإنسانية.