حنان هي البنت السورية التي تعمل في محل تصفيف الشعر الذي كنت أتردد عليه. ارتحت لها لأنها الوحيدة التي كانت تجيد التعامل مع طبيعة شعري المسافر في كل الدنيا. وكذلك لأنها من الأشخاص الذين يأخذونك إلى أماكن بعيدة في الذاكرة، فتقترب منهم لتعود إلى نفسك. وهكذا هي لعبة الذاكرة. فكنت في أحيان كثيرة أذهب إلى الصالون فقط لكي أجلس مع حنان. نشرب قهوتها العبقرية ونتحدث في شؤون الحياة. كانت فتاة مرحة، ولديها حكايات جميلة وحكم مؤثرة عن الحياة رغم صغر سنها. استغرَبت حين عرفتُ مباشرة أنها من حلب. قالت كيف تميزين بين اللهجات السورية؟، أخبرتها أن لهجتها تذكرني بمسلسل سوري اسمه «الثريا» كان يعرض في التسعينيات، وله أثر خاص في نفسي لأنه المسلسل الوحيد الذي تابعه أبي رحمه الله معنا من البداية للنهاية. كنا ننتظر الحلقات بشغف لنعرف هل سيتزوج الفلاح الطيب الشجاع عكّاش «جمال سليمان» من حبيبته ثريا خانوم «سوزان نجم الدين» بنت الباشا الإقطاعي المتسلط «خالد تاجا». وأتذكر كيف ضحك أبي على مشهد يحاول فيه شاب صغير يعزف على العود التقرب من «يارا صبري» ليتزوجها وهي ترفضه في كل مرة لأنه أصغر منها بكثير، حتى قالت له مرة «روح أكبر وتعال»، فجاءها بعد أيام قليلة وقد أعفى شاربه ليقول لها ها قد كبر الآن ويريد الزواج بها. «وكأن الرجولة بالشوارب»، كان تعليق أبي. رحل أبي في نهاية التسعينيات. وحين سمعت لهجة حنان أول مرة تذكرت مباشرة مسلسل الثريا وضحكات أبي. كما أن اسم حنان ذكرني بمسلسل كرتوني كنا نتابعه صغاراً اسمه «حنان» بطلته فتاة طيبة يحبها الجميع وكلما تدخل البيت تنادي بأعلى صوتها معلنة عن قدومها «جاااءت حنااان» فتشير لنفسها دوما بذكر اسمها «حنان». حين رأيت حنان الحلبية تذكرت أبي وطفولتي والحياة التي كنا نظنها ستكون مسلسلا كرتونا ينتصر فيه الخير في النهاية ويعيش الطيبون فيه بسعادة. وملامح حنان الحلبية كانت تشبه ملامح صديقتي أيام المدرسة، التي كانت تجيد الرسم بشكل مذهل وتحلم أن تكون رسامة شهيرة تسافر العالم وتستقر في باريس بلد الفن. لم أر هذه الصديقة من سنين، حتى لمحتها آخر مرة في السوق، كانت سمينة تجر طفلا وهي تحمل آخر على بطنها المنتفخة بحمل جديد. وتظاهرت أنها لم ترني. في صالون التجميل، كانت حنان الحلبية التي تذكرني بأبي وبصديقتي وبالطفولة، تحدثني عن طفولتها وأحلامها وحياتها في حلب السورية، وكيف تعيش الآن في العين الإماراتية. وأين تذهب في عطلاتها القليلة، وكم تتأمل العودة لحلب لتنشئ صالونها الخاص وتتزوج شاباً طيبا ًوتنجب أطفالاً تسكب عليهم حنانها. حين بدأت الأحداث في سوريا رفضت الخوض في حديث الثورة، قالت إنها تكره السياسة، وتردد أن سوريا أجمل بلد في الدنيا. كانت تحاول أن لا تكون قلقة، وكانت تشعر أن الأمور لا يمكن أن تسوء حقا. حين عدت للصالون بعد فترة انقطاع لم أجدها. قالوا عادت لسوريا. اندهشت كيف تعود في هذا الوضع. قالوا لم تكن تنام ولا تأكل فقررت العودة. عدت للسؤال عنها مؤخراً. نكست رفيقاتها رؤوسهن وقلن بأسى «راحت حنان». Mariam_alsaedi@hotmail.com