هناك التقاطات أو لمحات حين تقرؤها أو تتأملها فإنك تتوقف كثيراً عند تداعياتها أو ما يمكن أن تقودك إليه، خاصة تلك التي تعبر عن إشكالية حياتية نعانيها أغلبنا، ويسقط معظمنا أمام إغراءاتها، كتلك الحكاية المتخيلة - ربما - والتي تُروى عن سائح أوروبي ذهب إلى إحدى جزر المحيط الهادي، وتنقل بين شواطئها وتجمعات الصيادين فيها، واستمتع بأجمل الأوقات في بيئة نقية هادئة لا ينغص حياة أهلها شيء، ولا تفتقد أمراً من مباهج الحياة السعيدة، وعندما التقى مجموعة من الصيادين، سألهم عن صيدهم فرأى جودة أسماكهم وجني محصولهم اليومي القليل، فقدم لهم نصيحة لم تجد عندهم الترحيب الذي توقعه، فأخذ يزيد في إغراءات الفكرة التي اعتمدت مبدأ مضاعفة ساعات العمل ليتضاعف محصول الأسماك، وتالياً تزيد إيرادات الصيادين، فيتوقون لمزيد من المال، ومزيد من المشاريع، ومزيد من التوسعات والتمدد إلى البعيد، والطموح بامتلاك المصانع وبسكنى شقق نيويورك وغيرها!
كانت حياة هؤلاء ترتكز على مبدأ العمل وتحقيق الرضا والكثير من المتع، فهم يعملون بما يكفي ليعيشوا بشكل جيد مكملين يومهم بصحبة عائلاتهم وأطفالهم ومتعهم الصغيرة ولقاءات الجيران والأصدقاء، لكن منطق الشركات العابرة يقدم لهم حياة أخرى، العمل ثم العمل ثم العمل بلا توقف، وجني المزيد من الأموال والتنافس لامتلاك المزيد من حصص السوق والتوسع لامتلاك المصانع والأسهم والسيطرة تالياً على كل شيء، هذه الحروب التنافسية الشرسة ستسلب منهم كل تلك المتع الجميلة التي كانوا يحيونها، لكنها ستعطيهم النفوذ والقوة والملايين والشقق والحسابات البنكية ذات الأرقام الفلكية، هكذا يجد صاحب الدكتوراة في إدارة الأعمال من هارفارد حقيقة الحياة وحقيقة التفوق، أما حياة الصيادين الهانئة والسعيدة فسوف يحظون بها لاحقاً بعد أن يكونوا قد حققوا الثروات التي وعدهم بها، فبعد عشرين عاماً سيتمكنون من الركون للراحة وقضاء أوقات أكثر وأطول بصحبة العائلة والأولاد والجيران والأصدقاء! نسي هذا الرجل صاحب المشاريع والمقترحات أن هؤلاء البسطاء قد اختصروا هذا الطريق الطويل، الذي سيسرق من أعمارهم عشرين عاماً والكثير من المباهج ونعمة العائلة والأصحاب، ليمنحهم إياه بعد أن يكون العمر قد مضى، والعائلة قد ذهب كل فرد فيها في طريق، وتفرق الأصدقاء، ودخل الجسد في كهف الوهن، والقلب في وحشته الأبدية، فهل هناك منطق أو إنسان صاحب منطق سليم يقايض يومه السعيد بيوم بعيد غائم لا يكاد يُرى؟ ألا يشبه ذلك منطق المقامر الذي يضع أمواله على طاولة القمار ممنياً النفس بأرباح كبيرة تضاعف هذه التي لديه ليحيا بشكل مختلف؟ مع أن الأموال التي بين يديه تكفيه ليعيش في عمق الاستقرار والسعادة من دون حاجة إلى مراهنات خاسرة ومقامرات حمقاء لا تقود إلى نتيجة أفضل مما هو عليه اليوم!
هناك أشخاص يمتلكون نعمة البصيرة ووعي الرضا والمعرفة، هؤلاء الأشخاص لديهم موازينهم الداخلية التي تضبط حركتهم بما يجعلهم يختارون السير في الاتجاه الصحيح دوماً، كهؤلاء الصيادين في تلك الجزيرة والذين قادتهم فطرتهم وشرطهم الإنساني إلى رفض مشروع التاجر والبقاء مع مشروعهم الإنساني الأكثر ربحا وسعادة وراحة في الوقت نفسه، فالذين اختاروا ثمرة الخطيئة حرموا نعمة الجنة وابتلوا بشقاء الدنيا، تلك حقيقة خالدة في سجل تاريخ البشر غالباً ما تُنسى لإنها الدرس الأنفع والأصعب والأقسى معاً!


ayya-222@hotmail.com