من بين الشخصيات المحببة في قصص التراث العالمي لجميع الشعوب هناك (السحرة) الذين يجعلون من كل قصة أسطورة تغذي الخيال وتثير الدهشة وتبعث اللذة في الحروف والكلمات. قبل ايام قرأت مجموعة كبيرة من قصص التراث الشعبي الايطالية التي قدمها الكاتب الشهير ايتالو كالفينو وترجمتها دار شرقيات في اربعة اجزاء تحت عنوان (حكايات شعبية ايطالية) ولفت نظري ان اكثر من 70 بالمئة من هذه القصص تحوي شخصيات سحرية وساحرات يمتلكن القدرة على تحويل الاشياء والناس. وهي لا تختلف كثيرا عن قصص السحرة في تراث الكثير من الشعوب الاخرى حيث يحتل الساحر مركز الثقل في تلك القصص ويمثل دائما دور الشر الذي ينتصر عليه الخير في النهاية رغم جبروت السحر لديه. الغريب ان السحرة هم نكهة هذه القصص وبدونهم تصبح معظم الحكايات عادية ولا تجذب الصغار ولا الكبار. ومع ذلك اتجه الادب الروائي والقصصي الحديث الى طرد هذه الشخصيات بالكامل من عملية الابداع القصصي. وظهرت المدارس التي تنادي بتعويض السحر والخرافة القديمة بالسحر الواقعي الموجود حقيقة في حياتنا اليومية المليئة بالمفارقات والعجائب وبالتالي لا داعي ان نختلق او نشحذ الخيال لانتاج ما هو اسطوري لمجرد خلق الدهشة. مع ذلك يشهد الادب الغربي الحديث عودة قوية لقصص السحر في رويات الشباب والاطفال، وتلعب السينما الغربية اليوم دورا مهما في اعادة انتاج افلام ابطالها سحرة، وحققت هذه الافلام اعلى نسبة دخل ومشاهدة من خلال سلسلة (هاري بوتر) الشهيرة التي يعرض فيلمها الاخير حاليا. ايضا اختفى السحرة من حياتنا ومجتمعاتنا، ففي الماضي القريب كنا نسمع من الجدات والأمهات بعض القصص الشعبية عن شخصيات ساحرة وكنا نصدقها، وفي الاحياء الشعبية كان هناك دائما شخص ما نلقبه بالساحر. وحدثني الكثير من الاصدقاء من رأس الخيمة عن شخصية معروفة بلقب (سينما) له الكثير من المقالب والعجائب التي لا يصدقها عقل، ومع ذلك يؤكد جميع اصدقائي صحتها ولا اعرف لماذا؟ كان السحر في الماضي يثير اللذة والخوف ويدفع بعضنا الى حالة القشعريرة والفزع. اما سحر اليوم الذي يعتمد على خفة اليد فهو مجرد فصل من فصول السيرك المتحرك تطور وانفصل بنفسه لتقديم استعراضات مبهرة بالضوء والموسيقى وصار يقدم في الصالات والمسارح والمراكز التجارية. لكن الجميع يدرك انها خدعة وهذا هو الفرق الذي خسرناه بين سحر الماضي (الذي نظنه حقيقيا) وسحر اليوم. اختفى السحرة من حياتنا وصارت ألقابهم تمنح مجانا الى لاعبي كرة القدم المغمورين في المنتخبات الضعيفة. مع ذلك، ورغم انتهاء او اختفاء السحر من حياتنا اليوم، الا ان المرأة الجميلة هي الوحيدة هي التي تعيد رهبة السحر الى القلوب كلما مرت خفيفة خفيفة.. بريقها يغشي العيون وطيفها يربك العقل ويخدش الخيال. akhozam@yahoo.com