في التجربة المسرحية الإماراتية أعمال نقف أمامها احتراما، لكونها عرفت جيدا كيف توظف الحياة في المسرح بشكل عالٍ، مستفيدة من مخزون المكان الثقافي، من تراثه وبيئته، ومن الكلام والحب والجنون والفرح، وبذلك استحقت أيضا احترام المتفرج عربيا، حيث حصدت التجربة المسرحية الإماراتية الكثير من الجوائز على المستويين الخليجي والعربي، بفضل مصداقية المسرحيين وافتتانهم بالمسرح حد العشق. وكانت أيام الشارقة المسرحية منذ دورتها الأولى في عام ( 1984 ) مشغلا لتجارب مبدعينا المسرحيين، مما خلق حالة صحية قدمت خلالها معظم الفرق المسرحية أعمالا تجريبية جادة، مبتعدة عن التهريج على الخشبة، وأفرزت مخرجين وكتابا وممثلين وفنيين، يجمعهم الشغف بالمسرح والإصرار على البحث والتجريب في عوالمه التي لا تنتهي. ومن تلك التجارب المستمرة في التجريب، تأتي فرقة مسرح حتا الشعبي لتقدم مسرحية «الفطام» تأليف وإخراج علي جمال، وهذه المسرحية التي عرضت في أيام الشارقة المسرحية الاخيرة، وكذلك في الموسم المسرحي الخامس، قدمت لنا شيئا من الجمال الفاتن للمسرح، بعرض يتداخل بين الشعر والمسرح، مؤكدة أن الاثنين لا ينفصلان، بل إن الفنون كلها لا تنفصل ويمكنها أن تقدم الكثير من الجمال إذا ما أتقن دمجهما في تجربة إبداعية واحدة. وأيضا تقول لنا إن التجارب الجمالية في المسرح المحلي لن تتوقف وإنها ستستمر في إعطائنا الفرجة. «الفطام» بكادرها التمثيلي والتقني والإخراجي قدمت لنا الفرجة بشكل شفاف، من خلال قصة إنسانية تمثلت في رغبة زوجة «بطنها لا ينبت فيه زرع» وزوج شغوف بطفل، ولكنه كان على استعداد للتخلي عن حلمه من أجل الحب الذي يكنه لزوجته، وفي هذه الحكاية يدور الحوار باللهجة المحلية، بالحروف والكلمات الشفافة منها.. الكلمات الجميلة المليئة بعاطفة الحب. وتستمر الحكاية في العرض المتقن والمشاهد التي تخلق متعة بصرية باستغلال عالٍ للإضاءة وبتمثيل مشد وديكور متحرك فرض حضوره كجزء عضوي في العمل.. وهكذا يستمر التصاعد الدرامي للعمل المسرحي "الفطام" حتى أن يهطل المطر على الخشبة التي كللت بالسواد التام، معلنا ختام العمل الذي استحق الانحناء والتصفيق كثيرا. ففي صيفنا الخانق عرضت الخميس الماضي مسرحية «الفطام» على خشبة مسرح أبوظبي بكاسر الأمواج ضمن الموسم المسرحي الخامس، وعندما هطل المطر على خشبة المسرح أدخلتنا مسرحية «الفطام» في طقس الشتاء.. وكما كانت الممثلة بدور، لا تريد مغادرة الخشبة، كنا نحن مشاهدي العرض لا نريد أيضا المغادرة، حيث جلوس بدور بوشاحها الأبيض في فضاء المسرح بعد أداء جميل لدورها كزوجة، واستمر فضاء المسرح مفتوحا بعد انتهاء العرض دون أن تغلق الستارة، دفعا بنا إلى الصمت والتأمل في عمل استحوذ علينا بجماله. saad.alhabshi@admedia.ae