العمود الثامن
في عيد المرأة العالمي تم إلقاء القبض على امرأتين متخصصتين في سرقة زبائن البنوك عندنا، وقد أضحكتني الواقعة، وطبيعة المناسبة، فالضد يظهر حسنه الضد أحياناً، وتذكرت تلك الرسائل الناعمة التي تصلنا باستمرار، وعبر بريدنا الإلكتروني، وكلها بتواقيع نساء - ربما متخيلات- ولكن الحرفاء يعرفون وقع اسم الأنثى على الرجال، وخاصة عند ضعاف النفوس، حيث يجدها فرصة سانحة ليربت على كتفها بحنان كاذب، ويظهر لها تأثره، ورهافة حسه، وطيبة قلبه حتى يصل مبتغاه. المهم المرأة دائماً وسط المكيدة والخيانة، بشورها ورضاها أم غصباً عنها، لأنها جزء من الإغواء، وجزء الإغراء منذ قضم تلك التفاحة تاريخياً، هذه الرسائل تدعي واحدة أنها ابنة وزير في حكومات القذافي الكثيرة، وأنها الوريثة الوحيدة بعد مقتل أبيها على يد الثوار، وأن أباها قد ترك لها رصيداً مالياً في أحد بنوك سويسرا، وتريد أن تتشارك معك بعد أن يتم التوصل إليه وسحبه بطريقة قانونية، وأن العناية السماوية هي من أرشدتها لاسمك وشخصك.
أما رسائل نسوان أفريقيا، فهي أكثر من الهم على القلب، وكلهن يدعين أنهن أرملات جنرالات في جيوش أفريقيا، وأن بحوزتهن ألماس وأراضي شاسعة ودولارات بالملايين، غير أن الواحدة منهن ضعيفة لوحدها، ومهيضة الجناح من دون حائط تتكئ عليه، وغير قادرة على التصرف بهذه الثروة إلا من خلال شخص تثق به، وتسترشد بنصائحه، ولا مانع لديها أن يشاطرها حصة من المال، ولا تدري ربما الظروف جمعتها بنصفها الآخر، وتكون شراكة في الحياة، بعد ما تكون عظام زوجها الجنرال أصبحت مكاحل.
أما الرسائل الروسية فعادة تُزين بصور نسائية ملتهبة، بحيث لا تستطيع إلا أن تهل عينك عبرتها على الحال الذي وصلت إليه أمر تلك الحسناء بعدما اختلف الغرماء في العصابة الروسية وقتلوا بعضهم بعضاً، وبقي لها المال وحدها، وتريد أن تشارك أحداً في الخارج ليستثمره لها، ويؤسسا عملاً نافعاً، وحياة زوجية، فيطمع الذي في قلبه مرض، في الحسناء النضرة أولاً، وفي مالها إن جاء تالياً، وتظل المراسلات والتحويلات البسيطة لتدبير بعض الأمور، وإخراج جواز سفر دولي، وتذاكر، وبعض المصاريف الشخصية أملاً باللقاء المنتظر في أوروبا، ويظل الرفيق منتظراً بالساعات في المطار مع باقة ورد بدت تذوي، ويكون قبلها بأيام يتكبد حسرات، ويلاقي الزفرات لليوم الموعود، لكن لا أحد يأتي على متن تلك الطائرة، سيحنق، ويحاول الاتصال، والعذر جاهز، أي حادثة أو مصيبة أو سبب قاهر، وتمتد الأيام، ويكثر المغرر بهم، والساعون وراء الشهوات بأظلافهم.
الآن بدأت الرسائل الناعمة تصلنا وهي تحمل أسماء إنجليزية عريقة، وأوروبية نبيلة، وجلهن من حفيدات الدوق أو البارون، لكي تعطي رنّة هذه الأسماء وقعاً في الأذن، وأثراً في القلب، وتجر وراءها الباحثين عن الثروات الوهمية السريعة!


amood8@yahoo.com