صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بذرة الفساد

في أي مرفق من مرافق الأداء العام تعد التعقيدات الإدارية والأبواب المغلقة من البذور الأولى للفساد بكل أشكاله وصوره، بذرة تتخذ من تلك التعقيدات مرتعاً خصباً تنمو وتترعرع فيه وتتشرنق. وعندما تكبر لا يجدي معها إلا الاستئصال، ولكن بعد جهد كبير ومشقة أكبر خاصة في تلك المجتمعات التي أصبح فيها الفساد علامة تجارية يصعب إزالتها،لأنه أوجد طبقة كانت هامشية تعيش عليه وتزدهر معه. ووسط كل تلك التعقيدات ينسج الفساد أعوانه والمدافعين عنه. هؤلاء يعتبرون كهنته الذين يملكون الوصفات السحرية لاختراق كل ُمعّقد. وبالطبع الخدمات لا تقدم مجاناً ، ففي أعراف الفساد لا يوجد شيء مجاني، كل شيء بمقابل مادي أو عيني. من أدنى الحلقات وحتى أعلى المراتب والدرجات. والمجتمعات المؤبوءة بالفساد تعرفها من أول منفذ لها تقترب منه، حيث لا يسمح للمرور الا لمن يدفع أولا.في صور تقود المرء للإشفاق والرثاء علي أحوال نوعية من البشر أؤتمنوا على حماية وطن، فآلوا إلى ما آلوا إليه. ذات مرة دافع أحد المستشارين عن وضع اللوائح الروتينية لمؤسسة في بلده الأم، وحبك كل مواد اللائحة فيها على مقاسه، بحيث لا تسجل واردة أو شاردة إلا من خلاله. وقال الرجل بعد أن اقتلع من المنصب قلعاً في مناظرة تلفزيونية إن الظروف التي كان يمر بها المجتمع استوجبت مثل هذا الأمر، لحماية المجتمع وتعزيز أمنه في وجه الأعداء. ونسي الرجل كيف اختلق المجتمع بذلك أعداء من بني جلدته، وتملك الفساد منهم فتحولوا إلى معاول تعمل فيه تحطيماً، بصورة أقرب لطريقة «الدب الذي قتل صاحبه». صور متناثرة ما أن تجمعها حتى تجد تفسيراً للبون الشاسع بين تلك المجتمعات التي ينخر فيها السوس، ومجتمعات أخري كانت الشفافية والحكم الرشيد ديدنها لتحقيق ما وصلت إليه، على الرغم من انعدام الموارد الطبيعية فيها. ذات مرة أهداني صديق سنغافوري كتاب مؤسس بلاده لي كوان يو«من العالم الثالث الى الأول»، وفيه اختزال لتجربة بناء الدولة الجزيرة ،والتي كانت حتى عقود قليلة مضت مجرد مستنقعات وبؤرة للهوام. وكان أي جندي بريطاني يعتبر خدمته في تلك الجزيرة، بمثابة حكم بالإعدام عليه بسبب الطقس الرطب اللزج والأمراض الاستوائية المتوطنة. لذلك لم يكن ارتجالا أن تجد أن المنظمات التي تتصدى لمكافحة الفساد تحمل ضمن اسمها«الشفافية»، باعتباره قرين مكافحة تلك الآفة التي نخرت في الكثير والكثير من بلدان العالم الثالث حتى جعلت دولا غنية ووافرة الإمكانات كبعض بلدان القارة السوداء، تتسول أبسط احتياجات مقومات الحياة لشعوبها. كما ترى تلك المنظمات العالمية والهيئات الدولية أن أي محاولة للمس بالشفافية يحمل تمهيداً وتوطئة للنيل من صروح وقواعد إنجازات تحققت لهذا المجتمع أو ذاك. وتلك حقيقة واقعة في مجتمعات التخلف التي لا يزدهر فيه الانغلاق وحجب الحقائق، في عالم اختصرت مسافاته وجعلت منه قرية صغيرة، وهو يعيش القرن21 بكل تجلياته وإرهاصاته.

الكاتب

أرشيف الكاتب

رؤية وشراكة

قبل يوم

أمن الأوطان

قبل 3 أيام

وظائف وتوظيف

قبل 6 أيام

"أبغض الحلال"

قبل أسبوع

ارتباك «جوجل»

قبل أسبوع

سرقة رقمية

قبل أسبوع
كتاب وآراء