لم يجد المبدع مساحة له في الساحة الثقافية، فأوجدها عنوة في عالم يختلط فيه الحابل بالنابل، والغث بالسمين، دخل أحد المواقع الإلكترونية التي تمنح مساحات مجانية. بنى موقعا خاصا، ثم نشر ما تجود به قريحته، وقام بصناعة شبكة من المعارف والعلاقات، وبدأت التعليقات تصله ومن بينها: «لم أقرأ أروع من هذه الكتابة.. سلمت يداك أيها الشاعر الكبير». العالم الافتراضي الذي أوجدته ثورة الاتصال، ولاسيما الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت)، أفرز أدباء افتراضيين يتراوح تواجدهم بين الحقيقة والخيال، وهذا التجاذب الذي يعيشونه أو يعانون منه، يجد مخرجا له في أحيان كثيرة، بواسطة القراء الافتراضيين أيضا. فيلتقي كاتب افتراضي مع قارئ افتراضي، ويخلقان إبداعا افتراضيا، لا تؤكده أو تنفيه أقلام النقاد، أو الصفحات الثقافية، أو الساحة الإبداعية بشكل عام، لأن هذه الساعة أو تلك لا تعرفهم، ولا يتواجدون فيها أصلا، وبالتالي يتحول الأمر إلى ما يشبه المراوحة المتكررة بين الوهم والواقع، إلا أن رغبة هذا (المبدع) في الانتشار، تجعله يلجأ إلى النشر الورقي، ما يزيد الساحات الثقافية إرباكا، ومهمة النقاد صعوبة في فرز المبدعين، فالكم هائل، والوقت محدود. سألتني الكاتبة السعد المنهالي عن إيجابيات وسلبيات المواقع الإلكترونية التي تكون مسرحا للنشر، وذلك في إطار دراسة كانت تشتغل عليها، والسعد من الكاتبات المجدات في الإمارات، في مجال البحث الثقافي والاجتماعي. وقلت لها يومها إن النشر الإلكتروني أمر واقع لا يستطيع أحد التصدي له، وأداة مفيدة للتعرف والتعريف والتعارف، وأنا شخصيا استفدت من هذه الأداة، ولكنني اكتشفت أن هناك جيلا مغيّبا لم يطلع على نتاجات جادة ومتميزة، ولهذا لم يتمكن حتى الآن من تجاوزِ النتاج المُنْجَز، وبالتالي لم يستطع تجاوز ذاته. وكنت أتعمد كثيرا أن أدخل مواقع شبابية وأنشر فيها، وفورا تبدأ الأسئلة تردني عن معنى هذا وضرورة ذاك، والبعض بدأ يرسل لي نتاجه لأعطي رأيي به. إلا أن هذه المهمة صعبة وتحتاج تفرغا. وفي المقابل، هنالك أصوات لا يمكن التعامل معها، لأن زيارة واحدة للمساحات المخصصة للتعليقات، وقراءة سريعة لكلمات المديح والتمجيد، تجعلك غير قادر على توجيه كلمة حقيقية وصادقة لصاحب أو صاحبة الكتابة؛ فهناك عشرات الآراء التي تقول إن هذه القصيدة لم يكتب مثلها، وبالتالي فإن قول كلمة حق، ستكون بمثابة مغامرة، وقد فعلتها مرة، وجاء رد الكاتب: «هذا رأيك، وكل قارئ يرى القصيدة من وجهة نظره!». كتّاب الوهم الذين يقنعون أنفسهم بضرورة نشر مؤلفاتهم كثيرون، وهم يتواجدون أيضا خارج العالم الإلكتروني الافتراضي، فإن سلّمنا بأنه من الصعوبة بمكان فرز (إبداعات) العالم الإلكتروني، فهل من الصعوبة بمكان أيضا تقديم منشورات ورقية تليق بالقارئ غير الافتراضي؟ السؤال مطروح أمام دور النشر، والمعنيين كافة، لأن البعض منهم (ناشر افتراضي) أيضا. akhattib@yahoo.com