الذكاء هبة الوراثة: هذا ما اعتقدته البشرية طوال الوقت، إلا أن أحداً لم يستطع تقديم دليل علمي واحد يؤيد هذا الاعتقاد. بهذا التقديم المتحدي يبدأ «لويس البرتو ماتشادو» كتابه الرائع «الذكاء حق طبيعي لكل فرد» لينسف فيه هذا المفهوم الراسخ لدى الإنسان عن الذكاء، ويؤكد بالملاحظة والتأمل والاستقراء العلمي أن الذكاء إمكانية طبيعية موجودة في كل إنسان ولد سويا، وأن ما يجعل الناس يتفاوتون فيه هي وسائل التربية ليس إلا. لذا فهو يجزم بأن الناس متساوون جوهريا في هذه الإمكانية. والقول إننا متساوون لا يعني أن كياناتنا العضوية متماثلة، لكن يعني أن إمكاناتنا متماثلة، وتتجسد هذه الإمكانات بطرق تتصل بوجود كل فرد بذاته. فإذا كان جميع البشر بشرا فلا بد أن تكون إمكاناتهم متماثلة. أما إذا كنا غير متساويين فيتعين أن يكون هناك حق للبعض بأن يكونوا أسعد من الآخرين. وقد شيدت أجزاء كبيرة من جدران التاريخ بطين ماؤه من عرق ذلك الاعتقاد وقد بذلت جهود لتبرير كل نمط من التمييز الاجتماعي بأسباب علمية أو لاهوتية للتوصل الى أن الطبيعة هي السبب في اللا مساوة وذلك لإخضاع أناس آخرين. لقد تزايد الوضوح في العلوم البيولوجية على عدم وجود بشر متفوقين، فالذين توصلوا الى نتيجة اللا مساواة بين الناس انطلقوا من فرضية أن جنسهم يتميز بالتفوق، إلا أن أحدا لم يستطع تقديم دليل علمي يوضح أن جنسا ما أكمل من جنس آخر. وسارت البيولوجيا خطوة خطوة لتدمر العناصر التي قامت عليها ادعاءات أي نمط من العنصرية، وقد أدان العلم العنصرية مرارا وتكرارا. ومع ذلك فإن العنصرية عادت مرارا وتكرارا لترفع رأسها من جديد فهناك جانب من العنصرية في كل من يعتقد بتفوقه على الآخرين. كما أن الاعتقاد بأن الذكاء يتقرر بأسباب الوراثة يحمل جرعة من العنصرية. ثم يتساءل «ما تشادو» نافيا ومتهكما: إذا كان الذكاء مقدرا منذ الولادة، فمن ذا الذي يستطيع أن يجزم بعدم وجود الأجناس المتفوقة؟ وإذا كان الذكاء من منشأ وراثي أفلا تكون النتيجة أن الفروق الاجتماعية ذات منشأ بيولوجي ينتقل بالوراثة؟ وطبقا لهذا فإن الطبيعة هي المسؤولة عن استعباد الناس على مر العصور. فالعبيد كائنات وضيعة، ومن ثم عليها أن تخضع لأقدارها. .وإذا كانت وضيعة... فبماذا؟ وإن لم تكن كذلك بالقوة والإخضاع... فبماذا؟ وقد قال أفلاطون- الذي يعتد المثقفون كثيرا بأقواله- في اوديسا هوميروس «إن الإله زيوس استأصل نصف عقل العبيد!!» ومن المؤسف أنه رغم تعاقب القرون فإن هذا النص لا يزال قويا، فأصعب ما يكون هو اجتثاث ما يتأصل في عقل الفرد أو الأمة. فالوراثة هي اليوم كما في الأمس تقر بشرعية السلالات الطاغية كما تقر بالمظالم. لكن اذا كانت الوراثة تقر بهذا فيتعين علينا أن نوافق على العبودية المستديمة بألوانها المختلفة. وإذا كان الذكاء يتقرر سلفا في «الكروموسومات» فكل كفاح لإقامة العدل الاجتماعي عبث لا طائل له. bilkhair@hotmail.com