لدقائق حلق هذا السؤال في الظلام الذي امتلأ به رأسي بعد أن طويت الصفحة الأخيرة من إحدى أجمل الروايات التي قرأتها مؤخراً. امتلأ السواد حولي بعد أن أغمضت عيني وذهبت برأسي للوراء كأني أريحها بعد جهد بذلته في طريق طويل كاد أن لا ينتهي. هل نحن مبصرون؟! سؤال لم أخطط له، ولكنه يبدو منطقيا بعد قراءة رواية العمى لسارماغو، رواية تجعلك تكتشف معنى البصر كأنك لم تبصر من قبل، كأنك لم تعرف قبلاً أن لك عينين. هل يمكن أن تدرك المعنى الحقيقي للبصر بعد أن تقرأ العمى؟! وحده الفقد يوقظ الإحساس الحقيقي بالمفقود. ووحده العمى كشف حقيقة البصر؛ كما في رواية الكاتب البرتغالي «خوسي ساراماغو» .
جميعنا يسير بعينيه، فهل نحن مبصرون؟! سلامة العين وصحتها تضمن رؤية الأجسام واستيعاب الحيز المكاني لها، ويتوقف الأمر عند هذا الحد بلا تركيز وبغير إدراك، وهذا ما يحدث في أغلب الحالات، أما اشتغال البصر فهو أمر مختلف تماما، وإن كان مرحلة لاحقة للنظر، إلا أنها حالة قد تتوافر لفاقدي النظر، مما يجعلها في بعض التصنيفات مختلفة تماماً عن النظر. في رواية «العمى» غاب عن مدينة بأكملها النظر، بعد انتشار عدوى لم يسعف الوقت أحداً لكي يعرف سببها، فغرق الجميع في ظلمة الأبيض، ورغم أنه كان أبيض إلا أن الجهل والعجز وغياب الإدراك الذي غلفه وغاص فيه جعلته ظلاماً حقيقياً، كان كل ذلك رغم النور الذي كان يسطع طوال الوقت في رؤوس العميان، ولم يكن يختفي إلا وقت نومهم!
في العمل الروائي «العمى» غابت الأسماء والأشكال، غابت الألوان والأجسام، غاب كل شيء ولم يحضر إلا الواقع بكل ما فيه من جهل وعجز وخوف وأنانية وإجرام وجوع ووحشية وفوضى وهمجية واستغلال، وقذارة ترَفع عنها الحيوان فيما اقترفها الإنسان عندما غاب النظر وانعدم البصر. وحدها في الرواية زوجة الطبيب صاحبة العيون التي لم تغرق في العمى، لأن لها قلباً مبصراً جميلاً وحقيقياً، حضر فيه النظر والبصر، فحضرت الرؤيا والإدراك والبذل والتضحية، حضر البصر في مجتمع فقد النظر، لذلك كان ألمها وبكاؤها ورغم ذلك أصرت على الاستمرار في تحمل المسؤولية رغم ثقلها وصعوبتها، أصرت على قيادة العميان لكي لا يهلكوا، في صرخة رمزية لدور المبصرين الحقيقيين في المجتمع، رغم ما صرحت به زوجة الطبيب بقولها: «ما أصعب أن يكون المرء مبصراً في مجتمع أعمى»!. في آخر الرواية، يعود النظر للجميع، في لفتة درامية ينفرج فيها النفس بعد أن تمكن «سارماغو» من حبسه طوال صفحات العمل، عاد النفس.. ولكن هل حضر البصر؟!


als.almenhaly@admedia.ae