صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر

في أحد المهرجانات الثقافية كنت مدعواً كمشارك في جلسة أدبية في اليوم الثالث من الافتتاح، فحرصت أن أحضر بملابس صيفية رياضية، فيها زهزهة الصبا ولون الشباب المرح، لأربعة أسباب: أولها طبيعة المدينة وصيفها البحري، ثانيها فعاليات المهرجان ذات طابع غير رسمي، وثالثها الكثير يتوقع حضورك بملابسك الوطنية لأنك مفرز من دول الخليج النفطي، ورابعها كنت متأبطاً دوماً كاميرتي التي تفرض عليّ أن أكون سهلاً خفيف التحرك، لاصطياد لقطات أعدها من أجمل الأشياء التي أظفر بها أثناء السفر، فتصرفت بطبيعتي التي أود دائماً أن أكون فيها غير مثقل على النفس، ولا على الناس المضيفين، لكنْ المدينة ومهرجانها والمشاركون والجهات الإعلامية لزموا حيالي التجاهل التام، ومعاملتي على أساس أنني مصور فوتوغرافي جاء ليغطي الفعاليات، وشاب قليل الخبرة كما توحي ملابسه الكتانية ذات الألوان الذاهبة تجاه المرح والمشاغبة وقلة الحيلة، وأنه ربما يفضل أن يجلس في قهوة على الرصيف مع بعض السائحات على أن يملأ رأسه الفارغ بمصطلحات أدبية ونقدية. في البداية لم أعر المسألة اهتماماً، فقد تعودت على مثل تلك النظرة السطحية والحكم الأولي من بعض الناس في مؤتمرات كثيرة في الوطن العربي، لكن مع انقضاء أيام المهرجان الأولى، وتلك المعاملة غير المكترثة، وما تولده طريقة التعامل بمكيالين وشروط الأفضلية التي كنت أجهلها، وقرب الجلسة التي سيشارك فيها اثنان من الروائيين العرب الكبار ومستشرق إسباني ورئيس المهرجان، وذلك الشاب ذو الملابس الصيفية والكاميرا التي تثقل كتفه، ازدادت عليّ الضغوط النفسية، وشعرت بضآلة ما سأقدم وسط تلك الأسماء الكبيرة، ويمكن أن ينصرف عني الجمهور إن وضعت كآخر المتحدثين، وبذلك يوافق الظرف تجاهل المدينة، والتعامل معي كسائح شحيح، وصدق نظرة المنتدين. وحين اعتليت المنصة غير متخلٍ عن كاميرتي، ولا تلك الملابس الكتانية، وحاذيت أناساً أكتافهم أعلى مني قدراً وعلماً، وشرفت أنني بينهم، وسعدت أن الظروف جعلتني منهم، فألقيت ورقتي وسط استحسان الجميع، ودهشة الكثير من أصحاب حروف الدال التي تسبق أسماءهم الطنّانة، والنقاد المتكلسين، والأكاديميين الذين لا يتخلون عن بدلهم البنية الداكنة صيفاً، والذين كانوا يرمقونك بنظرات توحي بشماتة الجهل، وحداثة السن، يكفي أن كبيرهم الذي علمهم النقد، وعدم صرف النقود تنازل عن بخله العاطفي وقال: ورقة جميلة ومختلفة وتجربة جديدة من مكان بعيد، فصدّق ما في داخلي أنني لم أتخل يوماً عن الثقة بالنفس المبنية على مرجعية معرفية، والمدعومة بتجربة الحياة والناس والأسفار. شعرت بعدها بعودة الروح، وبفرح طفولي يرافق عادة النجاح، وبخبرة تدعم ثوابت في الحياة، وباعتناء مبالغ فيه من قبل المنظمين، وتقدير جاء متأخراً قليلاً، وبهجمة من إعلاميين كانوا يعتقدون أن ما تلبسه على رأسك، يمكن أن يساوي ما في رأسك! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء