صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

شيء ما قد حدث!

أنفر بشدة من مواقف الاستبراء الكلي التي أخد الكثير من النخب والأفراد في إعلانها ضد رموز النظم التي سقطت والتي كاد يُفعل بها؛ ومحل نفوري يعود إلى عدم استيعابي بأي شكل من الأشكال إطلاق أحكام على اشخاص بالمجمل؛ بمعنى اعتبار شخص ما شراً بالمجمل، كما أرفض عكس الأمر في المقابل، كأن نصبغ صفة الخير بالكامل على بشر. وأجد نفسي أكثر ميلاً للأحكام التي تطلق على المواقف لا على متخذيها، وفي أحوال ومواقف كهذه أنا على قناعة تامة بتعليق القاضي الذي نطق بالحكم في إدانة السيدة “ويني مانديلا” عام 2003، عندما قال لها:”ليس هناك شك بأنك لعبت دوراً هاماً في كفاح التحرير.. ولكن شيئاً ما انحرف بعد ذلك”. وهي جملة لائقة بأن تكون نقطة انطلاقة عدد غير محدود من الأبحاث والدراسات وأفلام هوليود، لفهم ما يحدث في سلوك أشخاص أظهروا طويلاً عكس ما أبدوه مؤخرا.
لم تكن كأي امرأة، فقد كانت حتى قاربت السبعين من عمرها تفيض بقدر غير عادي من الذكاء والدفء والتألق والقدرة على القيادة؛ هكذا كانت “ويني ماديكيزيلا مانديلا” الزوجة السابقة للرئيس السابق لجمهورية جنوب إفريقيا “نيلسون مانديلا”؛ فقد استحقت “ويني” -قبل أن تدان بارتكاب 25 عملية سرقة و58 عملية احتيال- أن يطلق عليها “أم البلاد”، بعد أن سجلت وعلى مدى ما يقارب أربعة عقود سيرة نضالية بدأتها -حتى قبل أن تقترن بنيلسون مانديلا - منذ أن كانت فتاة في العشرين من عمرها في مقاومة القوانين العنصرية في بلادها، وعلى مدى غياب زوجها المعتقل لأكثر من 27 عاماً قادت حركة تحرر لقيت فيها ويلات الوحدة والفراق والمسؤولية والاعتقال والمناهضة، ودورها الرمزي كزوجة للمناضل، بتشكيلها رابطة نسائية كانت نواة لرابطة النساء في المؤتمر الوطني الإفريقي، وكذلك دورها الفاعل في ثورة “سويتو” عام 1976 ومن ثم نفيها لمدة تسع سنوات. ولهذا الدور الذي يعد من السذاجة اختصاره في هذه السطور القليلة، جاء تعليق القاضي: “... بأن شيئاً ما قد انحرف بعد ذلك”.
بالفعل هناك أشياء تنحرف، وبسببها ينتقل الإنسان من الضد إلى الضد في تحول متطرف يمكن أن يصيب أي بشر على وجه الأرض. فالمخلوق الإنساني ليس كتلة صلدة غير قابلة للتحول والتغيير، بالعكس تماما، لعله أكثر المخلوقات المتغيرة والمتداخلة المشاعر والمتأثرة بكل ما حولها من ماء وهواء وجغرافيا وتاريخ، وهي ميزة بشرية ذات قيمة إعجازية كبيرة؛ فعندما يحدث تحول ما، فتأكد أن هناك تجربة جديدة أو قناعة مختلفة أو خللاً أخلاقياً أو تحولاً إنسانياً، وكل هذه الأمور وغيرها، لا تعني أبداً أن نلغي كل ما قبل ذلك ونشكك فيه؛ فعندما قاموا بكل ما هو رائع وجميل ومهم، استحقوا عن جدارة استحسان من حولهم؛ ولكن ما حدث فيما بعد، يدل بكل تأكيد، على أن شيئاً ما قد انحرف بعد ذلك.


Als.almenhaly@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

مجرد.. صورة

قبل 4 أيام

تقاليد هشة!

قبل أسبوع

النفاذ إلى الآخرين!

قبل 3 أسابيع

اليد الطولى!

قبل شهر

قواعد وحدود!

قبل شهر

فقط.. 19 ثانية

قبل شهرين

بداية «مختلفة»

قبل شهرين
كتاب وآراء