في الطريق مساء، من العمارة التي أسكن على شارع زايد الأول، إلى كاسر الأمواج بأبوظبي، تكون حركة السير مزدحمة في الغالب، وهناك في منطقة الكاسر، يوجد احد اكبر المراكز التجارية في الدولة، ونادي تراث الإمارات ومسرح أبوظبي، وأعلى سارية لعلم دولة الإمارات، ومرسى لليخوت. وفي ثلاثة أيام متتالية من آخر الأسبوع الماضي واظبت على قطع ذلك الطريق مساء، قاصدا بالتحديد من تلك المنطقة «مسرح أبوظبي» بمناسبة عروض الموسم المسرحي الصيفي الخامس الذي تنظمه جمعية المسرحيين، وهي من ضمن العروض التي شاركت في أيام الشارقة المسرحية الأخيرة. السيارات على ذلك الطريق معظمها تقصد مركز «المارينا مول»، فيما الشحيح منها يقصد في الدقائق القليلة التي تسبق تمام التاسعة مساء، «مسرح أبوظبي»، حيث موعد العرض المجدول في برنامج الموسم المسرحي، وهناك في قاعة العرض، كان الجمهور دائما قليلا جدا ومعظم الكراسي فارغة، حتى الكراسي المتقدمة، القريبة من خشبة المسرح والمخصصة للمسؤولين والإعلاميين. هذا الغياب شبه التام عن حضور عروض الموسم، لا يمكن أن نلوم فيه الجمهور، لأنه بالتأكيد هناك الكثيرون ممن يعشقون المسرح؛ لكن غياب الترويج بالدعاية والإعلان للموسم والعروض التي تقدم خلاله هو السبب المباشر؛ خاصة ونحن في زمن أصبح التسويق من أهم وسائل جلب الجمهور، سواء للفن أو للاستهلاك السلعي. فاللافتات الإعلانية على الطريق المؤدي إلى منطقة كاسر الأمواج، والشاشات الإعلانية داخل مركز «المارينا مول» والمراكز التجارية الأخرى في العاصمة، التي تشهد حركة تسوق كبيرة، لا تبث حتى إعلانا واحدا يشير إلى المهرجان وعروضه قبل وفي فترة المهرجان! وغياب الدعاية والإعلان لعروض الموسم حسب معلوماتنا شمل مجمل الإمارات التي شهدت الموسم، مما يطرح تساؤلاً في كيفية تعاطي جمعية المسرحيين مع الجانب الدعائي للمهرجان؟ إن الفعل الذي تقدمه الشارقة للمسرح من خلال إقامة أيام الشارقة المسرحية ودعم عروضها لتجول في مختلف أنحاء الدولة خلال فترة الصيف، كعروض تتم فيما اصطلح عليه الموسم المسرحي، هو فعل يستحق التقدير؛ ولكن لماذا لا تساهم الجهات الأخرى الحكومية ممثلة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وكذلك الهيئات الثقافية المحلية في توفير مزيد من الدعم للموسم المسرحي بالاحتواء وتوفير المساحات الإعلانية الجيدة التي تتفق والأسلوب الحديث للتسويق؟ لماذا لا يكون هناك تكاتف من أجل الارتقاء بالمسرح المحلي الذي يعد أحد المشاريع الإبداعية النهضوية؟ لماذا تفرض وزارة الثقافة رسوماً مالية على عروض الفرق المحلية الأهلية لتقديم عروضها على خشبة المسارح التابعة للوزارة؟ إن المسرح المحلي، الذي تعمل فيه خلية من المبدعين الشغوفين والمهووسين بالإبداع المسرحي ـمؤلفين وممثلين ومخرجين وفنيين ـ قطع أشواطا تحترم، ويستحق تقديم الدعم المالي والمعنوي كي يذهب عميقا داخل النور، كي يقدم واقعنا ويشرحه ويفككه على الخشبة التي انحنت وتنحني لها الشعوب التي تعي قيمتها في الرقي الإنساني.. ذلك إذا أردنا تواجد «أبو الفنون» في حياتنا بشكله النظر والشفاف والمشع. أما التقاعس عن القيام بدور حضاري وكبير من اجل المسرح، فإنه سوف يهوي.. وعندها نقول السلام، وعلينا أن ننتظر في سنين عجاف حتى ينهض جمال المسرح من جديد. saadjumah@hotmail.com