«أرواح في العراء» هو العنوان الذي يقترح المترجم الشاعر الكردي العراقي عبدالله برزنجي لأنطولولجيا الشعر الكردي الحديث التي صدرت ببغداد عن ديوان المسار للترجمة، وعتبة العنوان توجهنا صوب تخيل منازلة بين الروح الشعرية الضاجة بالحياة، وحنينها لتكتسب الوجود المادي بالسكن في جسد القصيدة التي تكون عارية ببياضها قبل أن تظهر بالفعل باصطلاح الفلاسفة بعد أن كانت موجودة بالقوة في أَسر الروح. أهذا إذن تمثيل رمزي للوحة الشعر الكردي الحديث عبر مشاهده الافتراضية الثلاثة التي يتقدم بها استهلال المترجم: مرحلة الحداثة الأولى الأقرب للمعاصرة والتجديد كما دشنها عبدالله كوران رائد الشعر الكردي ومجايلوه كنوري صالح وكامران موكري، ومرحلة التحديث الفني والأسلوبي بتقنيات الحداثة المعروفة كما تجسدها أشعلر الستينيين ولاحقوهم شيركو بيكس ولطيف هلمت وفرهاد شاكلي وأنور قادر ورفيق صابر وحسين عارف وجلال زنكبادي وصلاح شوان والمترجم نفسه وغيرهم، ومرحلة التسعينيات وتغير الخطاب الشعري بفجائعيته التي رصدها المعد والمترجم، وبالتمرد الأسلوبي إلى حد كتابة النصوص البصرية والكونكريتية ونصوص البياض وسواها. وهو تجييل منطقي يسهل مهمة القراءة رغم تحفظ المترجم على التجييل كتكتيك او إجراء نقدي. في شعر المراحل كلها سيرصد متابع الشعر الكردي المنشور في العقود السابقة ذلك الاحتفاء بالذات جزءا من تعزيز الهوية والانتماء إلى الارض والتاريخ في رسالة شعرية تتلقفها فضاءات القصيدة لتوقف هيجاناتها العاطفية، وتحوّلها بتطهير نفسي راق إلى مجازات أخاذة أسهمت الترجمة ـ ومنجزها شاعر من المشهد نفسه ـ في توصيلها بأبعادها المضمونية الإنسانية وبحداثتها الأسلوبية. إنسانيا لا تترفع القصيدة الكردية الحديثة عن الموضوع فتكتب لأبسط المشاهد البصرية والشعورية ما حدا بالشاعر علي الفواز إلى وصف الشعر الكردي في الاستهلال بأنه محمول على سلالات طويلة من الميثولوجيا. تتخيل الشاعرة كزال أحمد في قصيدة «سفر» لقاء مع كوران فيهبها بضع وصايا: «صدفة في جادة فارغة/ مررت بعبدالله كوران/ ومن خلف خماري غمزت له/ فعرّفني على الشعر/ عقدَ قراني عليه/ قال لي كوني كما أنتِ، كما كنتِ/ كوني دوما مشاكسة كطفلة/ أشهد أن ذلك يليق بجمالك». يلخص هذا المقطع قراءة الأجيال التالية لشعر الريادة والبحث عن قصيدة وصفها لطيف هلمت بأنها كالريح لا تصادق أحدا، تُقبل وتتوارى.. وفي هذا الظهور والاختفاء تتلون القصيدة الكردية بأطياف الروح والطبيعة متخطية أصولها، وهو ما رمز له صلاح شوان بالصلة بين النهر والجداول: «لا وجود للنهر/ ما لم تتداخل أجساد الجداول عارية/ في ليل الحب/ ويقفر النهر ما لم تبح الجداول بعضها لبعض». طبيعة تتماهى بها قصيدة محمد عمر: «أنا جنرال الخريف، أعتمر قبعة من الغيوم/ وأنجم أكتافي بضع أوراق مذهبة ليس إلا/ معطفي من الريح/ وسيفي غصن شجرة متهرئة».