بعض السيارات تسير في الشارع بإطارات منتفخة وبسرعة تسبق الريح وتسابق الزمن، بينما يجلس سائقوها غير آبهين بما يحيق بهم من أخطار، يتربعون على الكراسي الجلدية أو المخملية، وكأنهم يقودون عربات فضائية في طريقها إلى اكتشافات ماورائية مذهلة.. وفجأة تتحول حالة الارتخاء والخيلاء إلى مصيبة وفاجعة تلم بأصحابها ومن حولهم.. فترى مركبة وقد قفزت فوق الحاجز الحديدي بطريقة بهلوانية عجيبة، لو تدرب عليها صاحب السيارة على مدار عمره الطويل وحاول أن يجيد هذه القفزة المذهلة لما استطاع.. ومركبة أخرى تنحرف باتجاه الشارع المعاكس وتستقبل السيارات القادمة من جهة يسارها بصدر رحب، تحتضن، وتعجن، وتسحن، وتطحن، وتسيل الدماء شلالاً منهالاً كالسيل العرم.. ومركبة ثالثة تراها تخرج عن الشارع الأسفلتي وتخطف سائقها معها لتتزحلق على الرمل وتتدحرج وتقلب جوانبها الأربعة ثم تستقر مهشمة، محطمة، والساكن في جوفها يطلب العون من الشارد والوارد من بني البشر. أمور تشيب لها الوِلدان، وتهتز لها الأبدان، وتحتار فيها الأذهان، عندما تكتشف أن المركبة التي أمامك كانت قبل حين من الزمن سيارة محترمة، محتشمة وقد لقيت حتفها بفعل إطار انتهت صلاحيته من زمن، أو آخر استخدمه السائق اشتراه من سوق الحراج مستعملاً.. أرواح تزهق، ودماء تهرق، وعائلات تمزق، وأكباد تحرق بفعل إهمال واستسهال ما لا يمكن إغفاله، أو التغاضي عنه لسبب الرخص وسرعة التناول. نقول للسائقين الكرام إن الحرارة اللاهبة، والسرعة الفائقة، والإطارات التالفة، طريق سريع للموت.. ولا أعتقد أن أحداً متفائلاً، لا يحب الحياة ، ولكن الغفلة وغفوة النفوس طريق سهل للهلاك وضياع ما لا يمكن استرجاعه أو استعادته.. والغافلون يضيعون أنفسهم وغيرهم من مستخدمي الطريق ويتسببون في كوارث مادية أغلى بكثير من سعر إطار لا يتعدى سعره الخمسمائة درهم، إن ارتفع.. الغافلون يخوضون معارك الطريق بأساليب عشوائية وغوغائية نتائجها كارثية قد لا يفيد بعدها الندم على ما انعدم من أرواح وأموال.. الغافلون يكلفون البلد موارد بشرية، ومادية لا يعوضها كلمة «لو كنت أعلم».. الإرشادات المرورية واضحة وصريحة، والتعليمات والتحذيرات والمتابعات قد لا تجدي إذا لم يع أصحاب الشأن قيمة النفس البشرية وتقديمها على كل شأن مهما بلغت أهميته.. الغافلون يرتكبون جرائم بحق أنفسهم وغيرهم، ويهدرون حقوقاً وينسفون واجبات ولا يعلمون أنهم بهذه الغفلة يضعون المجتمع بأكمله أمام محك الخطر، ونذر الشر التي لا مفك منها إلا بالوعي واحترام القوانين والالتزام بالنظم وأخذ الحيطة والحذر من عوارض الطريق، وما يسببه إهمال إطار واحد من موت محقق أو إعاقة لهم ولسواهم. ومن يتسبب بقتل نفسه أو غيره بفعل إهمال إطار تالف أو سرعة فائقة لا يختلف بأي حال من الأحوال عن أي إنسان يقتل آخر بالترصد وسبق الإصرار.. الجريمة واحدة وإن اختلف سلاح القتل.. الحماقة واحدة والصفاقة واحدة والوسائل متعددة.. نتمنى أن نتصفح يوماً جريدتنا الصباحية دون أن تصدمنا أخبار الحوادث المفزعة ودون أن نقرأ عن الحوادث الأليمة والمؤسفة.. نتمنى ذلك وجميع الغافلين قادرون على مكافأتنا بأخبار مفرحة، فقط بقليل من الوعي والنباهة.