**ألماني وألمانية الفارق العمري بينهما يسمح بانعقاد أي نوع من الجلسات، لا تستطيع أن تحددها، ولا تستطيع أن تحدد إن كانا ضيفين عابرين على البلد، ولا ما هي طبيعة علاقتهما، ولا طبيعة عملهما المشترك، يأتي الرجل أولاً، ويذهب آخراً، وتأتي هي مرة ترتدي لباساً أسود، كالذي ترتديه عادة العازفات في أركان الفنادق الكبيرة، تطلق عليه شعرها الناري، وتضع عطراً هامساً، ومرة تأتي بلباس رياضي، أقرب إلى صيف في جزر الباهاما، لا حوار بينهما يدل على محبة، ورغبة في تبادل العواطف، أو هكذا توحي لي ألمانيتهما التي تشبه تكسر الحطب اليابس، ولا حتى لغة الإشارة يمكن أن تفهمك مدى ما يكنان من مشاعر لبعضهما البعض، ليست هناك ملامح واضحة لفرح أو غضب أو عدم رضا، مرة أقول المدير وسكرتيرته، مرة أقول هي مساومة على عمولة لم تتضح معالمها بعد، مرة أقول مش معقول ألماني يشتغل تلك الشغلة، ومرة أقول إنهما يمثلان شركة ألمانية للحديد والصلب، جاءوا للمشاركة في أحد المعارض السنوية، ومرات أشعر أنه خلاف بين أب لم يصمد كثيراً في العش العائلي، ولم يساهم كثيراً في تربية البنت، وأم تحولت مع بشاعتها إلى كحولية، وصيد سهل لسائقي الأجرة من المهاجرين الجدد، كان إذا ما ألقى عليها كلمات كلها «هاء وفاء ونون» اعتقدت أنه غاضب منها بشدة، فترد عليه بكلمات فيها «دال وكاف وواو وتاء»، فتشعر أنها لن تجالسه ثانية، يظهر التوتر على الرجل، من التدخين المنفعل، ووقوف شعرات شائبة وقوفاً مفاجئاً، وكثرة التبول اللا إرادي، في حين هي تلعب بخصلات شعر فوق أذنها مباشرة وبطريقة رائقة، وتغيب بنظرها إلى البعيد، كانت تلك الجلسة التي تضم ألمانياً وألمانية، تمنيت أن يكون ختامها صلحاً بين أب كان دائماً غائباً في حياتها، وبين ابنته التي تعاتبه بقدر حبها الضائع، بينه وبين أم حاولت، لكن خانتها الأشياء، ورجل غاضب باستمرار! ** شخصان من الوزن «المتين والعريض» غير متساويي الأضلاع، ولا يمكن أن يعطي مظهرهما شكلاً هندسياً واضحاً، يأتيان إلى البهو الفندقي الراقي بأكياس كثيرة مشتراة من بقالة متواضعة في النادي السياحي، المرأة على هذا الحر تلبس شعراً مستعاراً كستنائي اللون، لا يتناسب وعمرها المتأخر قليلاً، تشعرك طلتها للوهلة الأولى أنها أقرب الشبه بالأم السينمائية «كريمة مختار» أو أنها إحدى المناضلات المتقاعدات في الجمعيات النسائية الجهوية في أطراف قرية تونسية، ترتدي عباءة سوداء، وحذاء رياضيا، وفوق رأسها «كاب» لمراهق لم ير شيئاً جميلاً في حياته حتى الآن، يضيق بهما المكان، ويكاد لا يعرفان في أي زاوية يمكن أن يجدا راحتهما، تجلس «الحاجة» وتعمر سيجارة، تأخذ منها بنفس غير متقطع، وتطلب «آيس كريم» من 3 «كيوبات»، فيما ينصرف الرجل الذي بطول وعرض يميزانه، واللذين ربما أخذا من حق العقل بعض الشيء، مع علامة للسجود سوداء تستقر بوضوح أعلى جبهته، في تمتمات وقراءات غير خاشعة، يبدو أنهما ضيفان على شخصية ذات اعتبار، أخبرتهما سكرتيرتها المسافرة معهما أنها لن تعود إلا قبل رمضان، وليس عليهما انتظارها، وحقهما من الزكاة سيصلهما في بلدهما، وأن ضيافتهما كاملة على حسابها، تلحظ ذلك من الاهتمام الفندقي المبالغ فيه، والحفاوة غير العادية من أشخاص، لأشخاص لا يعرفون ما هو المكان، تظهر تلك التوصية عليهما، في مراعاتهما، وجلب ما يطلبان، والرد على أسئلتهما الكثيرة، والتخلي عن الصرامة الفندقية حينما ينزلهما سائق تلك السيدة المضيفة، بعد أن يكونا قد أرهقاه ذلك اليوم بمشاوير كثيرة، ومتباعدة، وبأسئلة محرجة عن الأرباب وحرمته وأولاده!