يكتسب المرء على مدى سنوات حياته العديد من الصداقات والعلاقات الإنسانية التي هي طبيعية بحكم التواجد الإنساني في هذه الدنيا.. من هذه الصداقات ما لا يرتقي إلى المستوى المتوقع، ويبقى علاقات وقتية تنتهي بانتهاء المناسبة أو الصدفة التي جمعت في ما بينها. ومنها ما يستمر لما بعد حياة الإنسان نفسه حيث يوصلها الأبناء والأحفاد. .. في مراحل الحياة تبقى القليل من هذه العلاقات ثابتة لا تتزحزح مهما طال بها الدهر، ويكتب تفاصيلها العقل والقلب معاً، قبل أن يكتبها الإنسان على دفاتر حياته الممتدة بطول عمره المقدر في هذه الدنيا. .. شيء ما دعاني للكتابة مرة ثانية عن العلاقات والصداقات التي تحكم زماننا المادي هذا، شيء ما دفعني لمراقبة كيف تتم عملية اكتساب الصديق بعيداً عن المصالح الشخصية والمادية التي تسيِّر زمننا الحالي، وتدفع حياتنا بكل تفاصيلها نحو المجهول. .. في السابق كانت الصداقات تكتسب بشكل طبيعي، وتستمد حيويتها وقوتها من مبادئ وأخلاق المجتمع نفسه، وهي نتاج طبيعي للتواصل الدائم فيما بين الأفراد والمجتمع الذي نعيش فيه، وتجد الحرص من الجميع على بقاء هذه العلاقات هو الشغل الشاغل لكافة الأفراد. .. أذكر صديقاً كان متواصلاً معنا في السراء والضراء، كان خدوماً إلى درجة لا يقدر عليها غيره، لكن مشكلته الوحيدة أنه ينسى أسماء أصدقائه بطريقة توحي بأنّ مرضاً نادراً أصاب ذاكرته، لكن هل تهم الأسماء بقدر الخدمات التي يقدمها هذا الصديق، من وجهة نظري يكفي «حمد» أننا مازلنا نتذكره ونتذكر اسمه ووقوفه الدائم مع أصدقائه. .. إذا هي لغة «التواصل» تلك التي غابت أو تغيرت بفعل زمننا المادي المتسارع، فاليوم تغيرت أدوات التواصل فيما بين الأصدقاء، وأصبحت التكنولوجيا هي التي تحدد مرتبة الصديق، وأن أفضل الأصدقاء من تفاجئه أو يفاجئك باتصال بين فترة وأخرى، ثم تراجعت لتصبح الرسائل النصية أسلوباً للالتقاء بدلاً من الاتصال التليفوني الذي أصبح من الماضي، والخوف كل الخوف أن تصبح الصدفة البحتة مكاناً للالتقاء بصديق بعد أن حلت الرسائل الإلكترونية محل الاتصال. تغيرت الحياة وتغير معها كل شيء، لكن معايير الصداقة نفسها لم تتغير، فصديقك من يحتفظ لك في ذاكرته بمساحة لا تمحوها الأيام، شريطة أن تحمل أنت نفس المساحة أو أكبر. إبراهيم العسم