الاهتمام بالأخضر وتعيين النخلة كهدف وطرف وملف من ملفات حياتنا يعني الاهتمام بالإنسان وما يسكن في وجدانه ويمضي سوياً مع الدم والجسد، الاهتمام بالأخضر وتكثيف النخلة لمصدر من مصادر الخير والبر والجنى الرطيب أمر يبعث على الأمل ويفتح العيون نحو غايات نماء وإثراء الأرض بما لذ وطاب واستجاب لحاجة الناس إلى حياة لا تقتصر على الجاهز والمعد سلفاً والمستورد والمعلب والمغلف بمخالب الاتكالية والاستناد على كتف الآخر. الاهتمام بالنخلة يفصح عن حكاية هذه الشجرة ومكانتها وقيمتها وقامتها واستقامتها وإقامتها الدائمة في قلب إنسان الإمارات وسكونها في روحه منذ أن دبت قدماه على هذه الأرض الطيبة، الجيل الجديد بثقافته الملفوفة بقرطاس الهمبرجر والكنتاكي والبيتزا يحتاج إلى إعادة صياغة وترميم وتقييم وتقويم لذهنيته التي لا تعرف عن «الخنيزي، ولا الخصاب ولا الجش حمد ولا اللولو ولا البرحى» وسائر أبناء النخلة وبناتها وأخواتها وأخوانها.. الجيل الجديد بحاجة إلى هذه الهبة الراعية والمستدعية لكل الطاقات والقدرات والهمات، كل ذلك من أجل الوطن ومن أجل الإنسان الذي يسكن هذا الوطن ومن مشاعره التي داهمها قيظ العقود المدلهمة الواجمة، عقود سورت العقل بأصفاد رغبات غيرت من سيمفونية البيولوجيا والسيكولوجيا وغربت كثيراً بالثقافة وأسهمت في تطويق العقل بمفاهيم أزمت الإنسان وألمت به وحزمت حقائبه باتجاه عادات وأعراف أصبحت الركيزة الأساسية في إحساسه في الاغتراب والاستلاب والاضطراب النفسي والعقلي. مهرجان ليوا الخامس للرطب ليس ترفاً اجتماعياً ولا غرفاً من فراغ ولا «خرفاً» من يباب، إنه جلب من واقع وسكب من معين يجب أن لا ينضب ولا يقضب، ولا يهرب من بين أيدينا.. مهرجان ليوا تكريس لجهد وتدريس لجيل وفتح آفاق الوعي بقيمة هذه الشجرة الطيبة التي كانت ملاذاً وطعاماً ومأوى لإنسان شفه التعب وهو يبحث عن خصب وعن درب وعن حب لا يقبل الجفاء وإن شابه عناء وشقاء.. مهرجان ليوا هو مهرجان النخلة وعرسها وغرسها وقدسيتها ونهلها وسهلها وكدها وكدحها وبوحها وصرحها. مهرجان ليوا مهرجان الأرض واحتفالها واحتفائها واحتوائها لتاريخ بهيج وريق أريج، ورد جميل لسعفة ظللت وأغصان هللت وعذوق دللت وحبات بللت وجذوع جللت الأرض بالكبرياء والعطاء والسخاء والنماء والأثمار والاعمار والأزهار. شكراً للأيدي التي مازالت تغرس الأنامل في أحشاء الأرض بحثاً عن لقمة التاريخ، شكراً للأيدي التي تشق قناة الحياة من أجل فتح مزون الوفاء والتساقي والالتقاء.. شكراً للعزائم وولائم الإصرار لإبقاء النخلة وارفة عازفة لحن البقاء والانتماء. مساحة من الضوء، فسحة من النور، واحة من الاخضرار واستراحة تضع الروح على كف ورف وهفهفة.. حينما تغرد النخلة عالياً، تفصح السماء عن فرحتها وعن شوقها وتوقها لأمطار العباد بطاقة ولباقة ولياقة واستفاقة وصون الوعد والعهد.. شكراً لكل من يعمل لأجل النخلة ويرعى شأنها وفنها وغصنها ويحميها من غبار مراحل وفواصل ومفاصل ويضع جنيها نصب مقلة العين ولب الفؤاد.. شكراً لهؤلاء الأوفياء النبلاء النجباء، شكراً لهم ولجهودهم المخلصة.. إنها النخلة والمقلة والمهجة واللواعج.