أوباما الواقعي قالها بالحرف الواحد أمام 16 زعيماً يهودياً إن التوسع في المستوطنات ليس من مصلحة أميركا ولا إسرائيل ، وطالب الزعماء السياسيين في إسرائيل بمحاسبة النفس والتخلص من التمسك برؤى تضر بإسرائيل نفسها في المستقبل البعيد.. وقال أوباما إن سياسة سلفه جورج بوش المتوافقة دوماً مع إسرائيل برهنت على عدم فاعليتها.. وأبدى أوباما رغبة التحدث مع الشعب الإسرائيلي كما فعل مع العربي، مشيراً إلى خطابه الشهير في القاهرة.. بهذا المعنى وبهذه الرؤية الأميركية الجديدة وبهذه الحماسة والواقعية يخوض أوباما معركته السياسية الأهم في تاريخ أميركا، معركة حل المعضلة العالمية الكبرى، معضلة القضية الفلسطينية ولأن أوباما من جذور قريبة من المنطقة ولأنه يستشف المعاناة الفلسطينية من محض رؤية إنسانية فإن الرئيس الأميركي لا يريد أن يضع مصالح بلده دائماً على كف عفريت ولا يريد لشريكة بلاده الاستراتيجية أن تمعن في الأخطاء الذريعة التي لا يغفرها تاريخ ولا تعفو عنها ايديولوجيا إنسانية ولا تتصالح مع الواقع مهما بلغت إسرائيل من قوة عسكرية ومهما تمكنت من السطو والاحتيال والسيطرة والاستيلاء، منتهزة بذلك الضعف العربي والفرقة الفلسطينية إلا أن الأخطاء لا تجر إلا أخطاء والجرائم لا تفصح إلا عن آثام تاريخية تؤدي إلى قطع يد الآثم مهما استشط به الغرور وأفرط في عصيان الحقيقة. أوباما الواقعي قرأ الواقع جيداً وأعاد فحص ما فعله أسلافه من رؤساء أميركا واكتشف أن المساحيق التي تحاول إسرائيل أن تلون بها وجهها الاحتلالي لا تستطيع أن تغير من الحقائق شيئاً. أوباما الواقعي لا يريد أن يغضب إسرائيل كدولة وليدة استراتيجيات أميركية كبرى ولا يريد أن يضعف إسرائيل كونه يعرف تماماً أن إضعاف إسرائيل هو إضعاف للمشروع الأميركي في المنطقة لكنه أيضاً لا يريد أن تفقد أميركا مصداقيتها كاملاً ولا يريد أن تذهب إسرائيل إلى أبعد مدى بالسياسة الأميركية وبالوجود الإسرائيلي نفسه الذي تهدده المستوطنات أكثر مما تحميه. أوباما الواقعي يريد حلاً يذر الرماد في عيون الفلسطينيين ويبقي إسرائيل قوية، مسيطرة، مهيمنة، تحافظ على بقائها دون إفراط ولا تفريط.. أوباما الواقعي يمارس لعبة سياسية ذكية مستفيداً من تجارب من سبقوه ومستعيداً التاريخ لتبقى صفحاته باقية أمام عينيه حتى لا يغفل أو يزل وما حل بأميركا من ويلات العراق وما أصاب أميركا من معضلات أفغانستان لا يريده أوباما الواقعي أن يستمر نزيفاً أميركياً لا ينتهي ولا يتوقف عند حد.. أوباما الواقعي يريد أن يلون وجه أميركا باخضرار شجرة الزيتون ويريد أن يوشح صدر الأميركيين بوسام النصر والظفر في أهم قضية شغلت العالم على مدى عقود من الزمن. أوباما الواقعي يريد أن يثبت للعالم أن أميركا دولة عظمى بحق ليس بترسانتها العسكرية الفتاكة ولا باقتصادها الذي كان قوياً جداً وإنما بسياستها المتوازنة المتعافية من الانحياز الكلي لصالح إسرائيل دون العالمين.. أوباما الواقعي يريد أن يقول للعرب أنا واقعي وكونوا أنتم واقعيين والواقعية تستلزم شروطاً أهمها الخروج للعالم برؤية موحدة وقولوا رأيكم الظاهر والمبطن حزمة واحدة دون تثريب أو تورية أو بين البين.. أوباما الواقعي لم يقل للعرب إنني سأغير وجه أميركا من الإسرائيلي إلى العربي لكنني أريد أضعف الإيمان حتى لا تغرق السفينة بكاملها.