صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

شخص مهنته التبرير!

ماذا لو فرضت عليك الحياة، ووجدت نفسك تمتهن مهنة التبرير؟! لا شيء لديك في يومك غير كيف تبرر ما يفعله الآخرون؟ وكيف تحل محل كل شخص؟ وتلبس ثوبه، وتطرز ما شق ومزق، وتصلح أو ترفو ما فتق، مهنة اختارت الظروف أن تكون من نصيبك، وهي مصدر الرزق أو الاسترزاق، عملك الأساسي في الحياة يقوم على كيف تبرر؟ أو كيف تبربر؟ مهنة تعتمد أن يكون ممتهنها ذا وجه مثل اللوح حليق، ولسان ذرب صفيق، اسفنجة·· وظيفتك الأساسية الامتصاص، وشرب ما يلقى عليك، قبل أن يتحنحن الناس تكح، وقبل أن يشرقوا تدح، مثل الإبرة في كل خرم تسلك، تبدو طيباً في كل الأوقات، مسالماً في كل الحالات، وجهك لا ينبئ عن ردة فعل، ولا يشي بخبر أو حال، شعارك دائماً أن الحياة ماشية، وأن المشاكل هي جزء من زيت السير، نستطيع أن نصغرها فتصغر أو نتجاهلها فتنسى أو نتحايل عليها بمشكلة أكبر أو بوعد أجمل، أو نوطرها ونرفعها إلى الراعي الأعلى والمقام الأسمى، وبذلك يضيع دمها في الدهاليز وصناديق المظالم· السيد المبجل المبرر·· ليس لديه ما يعتاش به سوى تجميل الحال، وتوسيع الضيق وتضييق الوسيع، تقصير الطويل وتطويل القصير· يا أخي ·· المواطنون الغلبانون يعانون من زحمة السير والاختناقات المرورية، وعدم وجود مواقف لهذا الكم الهائل من السيارات، ويجيب السيد المبرر المبربر أحباءه المواطنين: إن زحمة السير تعاني منها الدول المتقدمة الكبرى، وأن الاختناقات المرورية تحصل في أحسن العائلات الديمقراطية، وأنه يعرف كثيراً من الشعوب تعيش على الخبز الحاف فقط، من أجل أن يتموا الخطة العشرية التي عزموا عليها لتوفير مسكن لكل مواطن وكراج سيارة وموقف في المدينة، وأن المسؤولين في كافة مرافق الدولة العثمانية يعملون ليل نهار، مشمرين عن السواعد، لتقفي أثر هذه الشعوب المكافحة والمحبة للسلام والصابرة على عدم وجود مواقف لسياراتهم· يتذمر الناس لعدم وجود المساواة الاجتماعية، وأن بعض القوانين عيونها عوراء تبصر من تريد، ومن لا تريد تعطيه العين العوراء والأذن الصماء، فتسخر أنت السيد المبرر ماء عينيك تبكي على المظلومين، وتولول على المعذبين، تستعين بالنصوص وما ورد من خيرات الجنة من أنهار وظل وحور عين جزاء الصابرين المساكين، ساكني القبور وبيوت الصفيح، وحين تجدهم مكفهرين من الحياة ومن عيشتها الصعبة، وأنهم مقبلون على الانفجار والتغيير والسير نحو العنف، تستلف من النصوص المقدسة، ومن التراث الاجتماعي للتسكين أو التهديد المبطن، قليلاً من الترغيب، وكثيراً من الترهيب! وهكذا يظل المبرر المبربر في التنقل في الحدائق الغناء، يقطف للفقير زهرة، ويعطي المسكين حلم امتلاك سجادة اصفهانية، ويعد الطفل أبو سنسول أن يوفر له سيارة رياضية عندما يكبر، إذا ما اهتم بنظافته، وتخلص من عادة مسح الأنف بـ كُم الثوب ، وغداً نكمل··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء